الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / من أجل إغناء النقاش لتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية

من أجل إغناء النقاش لتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية

“يجب على حكومتنـا إعطاء الأولوية لدبلوماسية اقتصـادية مقـدامة، قادرة على تعبـئة الطاقات، بغيـة تطوير الشـراكات وجلب الاستثمــارات، وتعزيـز جاذبيـة البلاد، وكسب مواقــع جديـدة، وتنميــة المبادلات الخــارجية، كما ندعوها للتنسيق والتشــاور، في القطاعين العام والخاص، للتعريف بالمؤهلات الاقتصاديـة التي تـزخر بها بلادنا”.

من الرسالة الملكية الموجهة إلى نـدوة سفراء جلالة الملك محمد السادس يوم 30 غشت 2013

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

فــي سياق التحــولات والإصلاحات الكبرى التي يعرفها المغرب، وفي تفــاعل خــلاق مــع أسئلـــة وتحــديات المرحلــة، تثار هــذه الأيــام مجموعــة مــن الأفكار والتقييــمات تخـص المجــال الاقتصـادي والتنمــوي، ســواء في علاقــته مع الاختيارات الاستراتيجيــة للبلاد، أو في ما يهـــم شــروط ضمان تنميــة مستـدامة ومتــوازنـة.
ومـن الآراء والإشكــالات التي طرحت وتطـرح، في هذا الباب، هناك سؤال حول مــدى تجــاوب نموذجنـا الاقتصادي مـع المتغيرات الجارية، إشكالات تعــزيز واستقــطاب المزيد من الاستثمارات الخارجيـة، ظروف وأوضاع المقاولة المغـربـية، تشكيل وتفعيل مجلس المنافسـة، ضــرورة العنايـــة أكثـر فأكثر بالدبلوماسيــة الاقتصاديــة، إلى غيــر ذلك مـما ينشر ويتداول في المنابر الإعلامية والمؤسسة البرلمانية والمنتديات السياسية والفكريــة.
ولاشك أن الخـوض في هــذه المقاربات، ومناقشتـها في العمق وفي كــل أبعـادها، يعــد من الدعامات اللازمــة لإغناء النقــاش الاقتصادي والسياسي والذي يجب أن يستمد قوته من المنظور الليبرالي الحقيقي الذي هو الدعامة الكاملة لأي تطور اقتصادي واجتماعي ومجتمعي، كما أن المقــاربات التي تحــاور القــضايا الاقتــصاديــة مــن منظــور الارتبـاط الوثيــق بــتقاطعاتها، وعلاقاتــها الجـدلية القــائمة مــع بقيـــة القضــايا والقطـاعات، هـي عيــن الصـواب، لأن الاقتصاد هو عصب الحيــاة، ولأن لغــة الاقتصــاد هـي قاعــدة ومحــور العلاقات الدوليــة.
وفي موضوع الدبلوماسيــة الاقتصاديـة، لا شك أن المغرب لــه تراكمات مهـمـة في هـذا المجال، حيث أنشأ بعض الآليات، الرسمية وغير الرسمية، التي اهتمت بتوسيع جسور التعاون الاقتـصادي والتبادل التجــاري، واكتشاف أســواق جـديدة، كما الشأن، مثلا، القارة الإفريقية وبلدان شرق أوربا وآسيا.
على أن التوجــه الجديـد للمغرب نحــو عمــقه الإفريقي كان بمثابـة طفرة، كميـة ونوعيــة، في تنشيط الدبلوماسية الاقتصـادية، وفي بلــورة مفاهيــم جديدة والوصول إلى نتائــج تفتــح آفــاقــا جـديدة لعلاقات التـعاون والتبادل بيــن المغرب وجل البلــدان الإفريقية، وذلك في نطــاق التـعاون (جـنـوب ـ جنـوب)، وعلى أساس مبــدأ (رابــح- رابـح).
وكانت ريادة الدبلوماسيـة الملكيــة الحلقــة المركزية في النجاحات والانتصارات التي حققها ويحققهــا هـذا التوجـه الذي قال عنـه جلالة الملـك بمناسبة الذكرى 64 لثورة الملك والشعب: “إن توجه المغرب نحـو إفريقيا لم يكن قرارا عفويا، ولم تفرضه حسابات ظرفية عابرة… إنه ثمرة تفكير عميق وواقعي تحكمه رؤيـة استراتيجية اندماجية بعيدة المـدى، وتركز سياستنا القارية على معرفـة دقيقـة بالواقع الإفريقـي، أكـدتها أكثر من خمسين زيـارة قمنا بها لأزيد من تسعة وعشرين دولـة، وعلى المصالح المشتركة، مـن خلال شراكـات تضامنية (رابح – ربح)، وخير مثال على هـذا التوجه الملموس، المشاريع التنمـوية الكبرى التي أطلقناها، كأنبوب الغاز الأطلسي نيجيريا ـ المغرب، وبناء مركبات لإنتاج الأسمدة بكل من إثيوبيا ونيجيريا، وكذا إنجاز برامج التنمية البشرية لتحسين ظروف عيـش المواطن الإفريقي، كالمرافق الصحية ومؤسسات التكوين المهني وقرى الصياديــن”.
كما أثمر هــذا التوجه، بالإضافة إلى البلدان المشار لها في الخطاب الملكي، إبرام العشرات مـن اتفاقيات التعاون والشراكــة مع بلدان إفريقية أخرى، ومنها بالخصوص السينغال، الغابون، الكوت ديفوار، النيجـر،غينيـا، والكونغـو، وغيرها من البلدان والاتفاقيات التي همــت القطاعات العموميـة ومؤسسات وشركات القطاع الخاص والتي تعطي للتضامن الإفريقي مـدلوله الملموس.
هـذا، علما بأن ما تحقق، في هذا المجال، لا ينحصر في الفضاء الإفريقي، وإنما يندرج فــي الإطار العام للخيار الديمقراطي والتنمــوي الذي تعبــأت البلاد، بقيادة جلالة الملــك من أجــل تحقيق حصيلـة إيجابية ونقــاط قــوة في الحقل الاقتصادي. ويمكن القــول بأن المغرب تمكن، في السنوات الأخيـرة، مـن مواجهة صعاب الظرفية، بل ومن جعل اقتصاده يحقق حصيلة إيجابية بشكـل عـام.
ومن العوامل الأساسية المساعدة في ذلك، هناك ما يتميز بــه المغرب مـن نعمـة الاستقرار والأمــن، ومن مناخ ضمـان الحـريات في إطار دولة القانون والمؤسسات، والثقـة التي يتمتع بــها اقتصاده من لــدن المستثمريــن المغاربـة والأجانـب، ومن الأمثلة الدالة على ما تحقق من إيجابيات يمكن الإشارة إلى كون المغرب احتل المرتبة الأولى بين الدول الأكثر جاذبية للاستثمار في إفريقيا (57،2 مليار دولار كاستثمار أجنبي مباشر 2017)، وازدياد عـدد السياح الوافـدين على المملكة بنسبــة 10 بالمائــة، وفتح أوراش جديدة لصناعة السيارات … إلخ .
وبعد هـذا وقبلـه، يجدر التأكيــد على أن موضوع الدبلوماسية الاقتصاديـة كان، ومنذ سنوات، مـن المهام التي دعا جلالة الملك للاضطلاع بــها، على أكمل وجـه، من أجــل الترويج للنموذج المغربي ومن أجـل ربـح رهانات التعاون المشترك. ففــي الرسالة الملكية الموجهة إلى نـدوة سفراء جلالتـه (30 غشت 2013 ) يقول جلالة الملك:”يجب على حكومتنـا إعطاء الأولوية لدبلوماسية اقتصـادية مقـدامة، قادرة على تعبـئة الطاقات، بغيـة تطوير الشـراكات وجلب الاستثمــارات، وتعزيـز جاذبيـة البلاد، وكسب مواقــع جديـدة، وتنميــة المبادلات الخــارجية، كما ندعوها للتنسيق والتشــاور، في القطاعين العام والخاص، للتعريف بالمؤهلات الاقتصاديـة التي تـزخر بها بلادنا”.
على ضـوء هــذا التوجيـه السامي، واصل المغرب مســاره وعملـه، في مجال البنــاء الاقتصادي والتنمــوي، بنفس الثقـة والتفاؤل، بــل والإصرار، على مواصلة مشـوار إنجــاز المشاريــع والأوراش المفتــوحة في مختلف القطاعات والمناطــق الجغــرافيـة، ومن حين لآخر تقــوم الحكومــة ببعث إشارات تفيــد بأن قــطار الإصلاح يسيــر على سكتــه، ومن الإشارات الأخيــرة، بهـذا الخصوص، نـذكــر:
* إنجــاز الخــطة الجــديدة لإصلاح المراكــز الجهــوية للاستثمــار التي عرضت مؤخرا على أنظار جلالة الملـك، والتي بمقتضاهــا تتحــول هذه المراكز إلى مؤسسات عـمومية.
* الترتيبات والقــرارات التي تــم وضعــها لدعــم وتشجيــع المقــاولات الصغـرى والمتوسطـة والرفـع مــن قــدراتها التنافسيـة.
* المصادقـة على 48 مشروع اتفاقيــة ومــلاحق اتفاقيات استثمــار، من شأنها توفيـر 6190 منصب شغل مباشر و13 ألفا و952 منصب شغل غير مباشر.
* ارتفاع مختلــف مؤشرات الأنشطة المينائيـة، وتسجيل حركة النقـل الجوي ارتفاعا بنسبة 69،17 بالمائـة، بمختلف مطارات المملكة، خلال شهر مارس الماضي.
ومع سرد هـذه النماذج مـن عمل ونتائج تدبير الشأن العام، رب قائل يقـول وما شأننا، إذن، بالحاجــة إلى دبلوماسية اقتصاديــة فاعلـة؟.
أما الجواب المباشـر فيكون بالقـول : إننا دائما في حاجـة إلى تطوير الأداء والرفع من مستــواه ووتيــرته، وبمــا هــو في مستوى أصالة وطمـوح هــذا الوطن، من النتائـج والإنجــازات التــي ترضي هـذا الشعب وتلبــي حاجياتــه وتطلعاتــه على كل المستويات وفــي كل المياديـــن.
ولذلك فروح المسؤولية، والصراحة والمصارحــة، تستوجب، من الجميــع، الانتبــاه إلى ما قـد يكون هناك من تقصيـر أو تعثـر أو بـطء، ولا ننســى أن موضوع النمــوذج التنمــوي مايزال ينتظــر، وأن تدابيــر تقليص الفوارق الاجتماعيــة والمجاليــة ينبغــي أن تتعــزز وأن يكون لــها الأثر الملموس على الأوضاع الاجتماعيــة ومستــوى حياة المواطنيــن.
ولعل موضوع الحكــامة بدوره مايزال يفرض نفســه، ليس فقط في باب ترشيد الموارد والنفقــات، ولكن أيضا في ما يخص معالجـة السياسات القطاعيــة، وما يبرز مـن اختلالات على مستوى التدبيـر والمردوديــة، ولعل أبرز الأمثلـة في هــذا الشـأن ما حملته التقارير عـن مجموعة من المقاولات والمؤسسات العمومية، التي قالت بأن عائدتها (لفائدة الدولة) تراجعت بحوالي 1000 مليار سنتيم سنة 2016، ويثار الآن مضمون تقارير المجلس الأعلى للحسابات، وهي التقارير التي تفيد بأن المؤسسات العمومية تعاني من عــدة أعطاب، ومن تداخل الأدوار والاختصاصات، ومن تراكم المديونية، وبطء وتيرة النمـو…
هكذا، فبقدر ما تعـد الدبلوماسية الاقتصـادية من القنوات والآليات الحاسمة في الواجهة الاقتصادية، وعلى مستوى التعاون والتبادل الدوليين، وكدعامة للاقتصاد الوطني والتعريف بمؤهلات البلاد… بقدر ما يجب أن تكون متلازمة مع الحرص الدائم على شروط بناء اقتصاد قوي ومتطور، وعلى دعم المقاولة الوطنية، وتدبير عــقلاني لكـل عناصر الإنتاج والخــدمات وتسريع النمــو.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فـضـيـلة الحـوار وقيـمته الحـضــارية

“لقـد أردنا أن نبين ونــؤكد ...