الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / فـضـيـلة الحـوار وقيـمته الحـضــارية

فـضـيـلة الحـوار وقيـمته الحـضــارية

“لقـد أردنا أن نبين ونــؤكد ما هو معروف عـن المغاربـة، من جـد وتفـان في العمــل. وقد اثبـتوا فعــلا قــدرتهم على العطــاء والإبداع، كلما توفـرت لهــم الوسائـل اللازمــة، والظروف الملائمــة، للقيــام بأي عمـل، كيفما كان نوعـه، صغيرا أو كبيـرا، فكـريا أو يــدويا، وذلـك رغــم آفــة البطالــة… وأن ما حققه المغرب من تقـدم ليس وليد الصدفـة، بل هو نتاج رؤيـة واضحـة، واستراتيجيات مضبوطة، وجهـود وتضحيات جميع المغاربــة”.

من خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى الـ 61 لثورة الملك والشعب

 

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

ما يزال مـوضوع الحــوار الاجتماعي يلقي بظلالــه على الساحـة الاجتماعيــة والسياسيــة، خاصة مع بــروز مطالب وحركــات احتجاجيــة جـديدة، وبـذلك فهــو يــسائل المقاربــات وردود الفعــل المتباينــة تجـــاه مجموعة مــن القــضايا والملفــات التي هي ليست بالجــديدة، والتي لن تكـــون هـي نهــايــة المطــاف.
وبــداية، وكما يمكن أن يــلاحظ الجميـع ذلك لابــد مـن القــول بأن المرحلــة التي تمر منها بــلادنا، وأوضــاعها العامــة، والتحــديات والرهانات الكبــرى التي تواجهـها، وما هو مطلــوب منها على مستــوى تقــوية الجبهــة الداخليــة وتحقيــق التعبئـة اللازمــة… كل ذلـك يستوجــب مـن كــل الأطراف الاقتصادية والاجتمــاعية والسياسيــة والمجتمعيـة الأخــذ بمنهجيــة الحــوار والانفتــاح على الرأي الآخــر والاستماع لمواقف الأطراف الأخـــرى، وذلــك بما يجعلهــا في مستــوى مسؤوليـاتها، وبما يخــدم قضايا الوطــن ومصالح المواطنيــن.
وبطبيعــة الحــال، فإن منهجيــة الحوار وفضيلتــه، كقيمــة حضـارية، لا تعــني فقــط الحوار الثــلاثي الأطــراف ( الحكومــة، النقابات، وأرباب العمـل)، فالموضوع أوســع ليشمــل كــل المؤسسات والهيئـات والتنظيمات الفاعلـة في المجتمــع والتي تتحمــل مسؤوليــة تدبيــر شؤونــه وتأطيــره، ولذلك لابــد من مقاربــتـه والنظـرة إليه مــن زاويتـــه الشموليــة.
على أن الشق المتـعلق بالحوار الاجتــماعي، بين الحكومة والنقابات والباطرونا، قــد يفرض نفســه بحــكم الظرفيــة، وبالنظـر إلى أنــه انطلــق منذ بـداية شهر مارس الماضي. وحينها، وعند استقــباله لرؤسـاء النقابــات الأكثر تمثيليــة، أعلن رئيس الحكــومة عـن اتفاق للشروع فــي الحــوار، من خلال ثــلاث لجــن… حوار من أجل الوصول إلى إقرار اتفاقيــات تمتــد على ثلاث سنوات.
وكان المؤمل من الاجتماعات التي تلت هـذا الاستقبال هو أن تسفــر عن نتائــج تقــدم كـ (هـدية) للطبقـة العاملة في عــيدها الأممـي، وذلك بالتجاوب مــع المطالب النقابــية التي كان من بينــها أو فـي مقــدمتها، زيادة 600 درهم صافية في أجور جميع الموظفين، رفـع التعويضات العائلية إلى 400 درهم، تخفيض الضغط الضريبي على الأجور، رفع سقف الأجور المعفــاة من الضريبة إلى 6000 درهـم شهريا، اعتماد مقاربة تشاركية في ملف التقــاعد، الخ…
أما العرض الحكـومي فكــان، من جهتـه، يتضمن مجموعة من الاقتراحات، ومنـها بالخصوص، تحسيـن أجور العاملين بواسطة مراجعات ضريبية، زيادة 300 درهم صافية في أجور الموظفين، زيادة 100 درهم في التعويضات العائلية، الرفع من الحد الأدنى للمعاش إلى 1500 درهم بدل 1000 درهم حاليا، 700 درهـم كتعويض عن العمل في المناطق النائية، إلى غير ذلك من الاقتراحات.
هـذا، فيما كانت لأرباب العمل (اتحاد مقاولات المغرب) تحفظاتهم بشأن بعض المطالب النقابيـة، منها مثلا مراجعة مدونة الشغل وقانون الإضراب، ومنها أيضا شروطهم بخصوص تحسين الدخل بالقطاع الخاص، حيث تشترط هيئة الباطرونا ربطه بتشريعات الشغل ومـرونة سوق العمل…
وبإلقاء نظرة عــلى مواقف الأطراف الثلاثــة يمكن التوصل إلى استنتــاجات موضوعيــة تفيـد بأن التــباين في المواقف يبقــى أمرا عاديا، وبالتالي فوجـود الاختــلاف لا يعني الباب المســدود، ويمكن تلخيــص هـذه الاستنتاجــات فـي النقاط التاليـــة:
* أن اللقــاءات التي جرت، منذ شهر مارس، وإن كانت لم تنجــح في بلورة النتائــج المرجوة فهــي، رغم ذلك، بمثابــة تكريس لوجود الإرادة المشتركـة في الالتـزام بقــواعد ودوافع مــأسسة الحـوار الاجتماعــي.
* أن وجود الخــلاف أو التعارض هــو بالذات ما يحتــم اللجــوء إلى قنــوات الحــوار والنقــاش المباشــر بين الأطراف الثلاثة.
* أن عــدم الوصول إلى الغـايات المرجوة والنتــائج المرضيــة، في الجولة الأولــى أو الثانيـة، لا يعنـي نهايـة المطاف أو استحالة تقــريب وجهات النظــر.
* أن التحلي ببعــد النظر والاجتهـاد من أجــل جعـل الحوار الاجتماعي يثمر نتائــج ملمــوسة، هو مسؤولية مفروض أن تكون كل الأطــراف على وعي تام بهـا، باعتبار أن الحوار ليس هـدفا في حــد ذاتـه، بقدر مـا يشكل آلية مشتركة لـوضع واحترام شـروط التوازن بين أطراف الإنتــاج وفــي العلاقات الاجتماعيــة.
كل هـذه الملاحظات، وغيرها مـن المعطيات المرتبطة بتحسين أوضاع الشغيلة وبتعزيـز الاستقرار الاجتماعي والسياسي، تدعـم الاتجــاه نحـو العودة إلى طاولــة الحوار الاجتماعي، واعتبـار العروض والمطالب المطــروحة أرضيــة لمواصلة الجهود من أجل التقـدم نحــو الوصول إلى اتفاقيــات مرضية ومنصفــة، تمكن من تحسين الأوضاع وإبعــاد شبح التوترات الاجتماعية، وهو أمر ليس بالمستحيـل لما نــلامس الموضوع من زاويته الشمولية، وأيضا بالنظرة الواقعيـة والموضوعيــة.
ثـم لا يغيب عن الذهن أن مآليــات الحوار الاجتماعي لا تهم فقط علاقات الأجير بمؤسسته أو مقاولته، وأن تدبير الحوار الاجتماعي اليوم هو شكل من أشكال الحكــامة الوثيقة الصلــة بالسيـاسات الاجتماعيــة وباستراتيجيات التنميــة الاقتصاديــة، وغيــرها مــن رهانات ترسيخ وتعــزيز البــناء الديمقراطي والتنمــوي، وتوفير الأجــواء والمناخات المساعـــدة على تعبـئة طاقات وقــدرات المغاربــة، التي قــال عنها جــلالة الملك (في خطاب الذكرى 61 لثورة الملك والشعب) : “لقـد أردنا أن نبين ونــؤكد ما هو معروف عـن المغاربـة، من جـد وتفـان في العمــل. وقد اثبـتوا فعــلا قــدرتهم على العطــاء والإبداع، كلما توفـرت لهــم الوسائـل اللازمــة، والظروف الملائمــة، للقيــام بأي عمـل، كيفما كان نوعـه، صغيرا أو كبيـرا، فكـريا أو يــدويا، وذلـك رغــم آفــة البطالــة… وأن ما حققه المغرب من تقـدم ليس وليد الصدفـة، بل هو نتاج رؤيـة واضحـة، واستراتيجيات مضبوطة، وجهـود وتضحيات جميع المغاربــة”.
إن نقــاط القــوة في النســق السياسي المغـربي، بالإضافة إلى مكانة ودور مؤسساته العريقـة، تتمثــل في خياره الديمقراطـي المبني على الديمقراطيـة التمثيليــة والتعــددية السياسيــة ومؤسسات الديمقراطية التشاركيـة وفعاليات المجتمــع مـن أحزاب سياسية ونقــابات عمالية وهيئات مهنية وجمعيات المجتمــع المدنــي، وكـل هـذه المكـونات تجعــل من منهجيـة الحوار والتشاور آليــة أساسيــة مـن آليات التدبيــر الديمقراطي للشأن العام، وأسلوب ناجــع في صياغــة السياسات العموميــة تجاه القضايا الاستراتيجيــة والحيـــوية بالنسبة لحاضر ومستقبل الوطـن والمواطنين .
وبالفعــل، فإن مغرب الألفية الثالثــة صار على هــذا النهــج، وعمــل بهذه المقــاربـة في مختلف المحطات التي اجتازها، وتجاه القضايا الكبــرى التي تصـدى لها، ومنـها، على سبيل المثال، تطورات القضية الوطنيـة، مــدونة الأسرة، وضع دستور 2011، الجهويـة المتقدمــة، والنموذج التنمــوي المنتظر الآن…
وإن كان الحوار الاجتماعي (الثلاثي الأطراف) لــه خصوصياته ومهمتـه المحــددة، فلأن المجــالات الأخرى المعنيــة بموضوع الحوار والتشاور واسعــة، كما أن العمل بفضيلة الحوار مسألة مطلوبــة بإلحاح ســـواء بين المؤسســات، أو داخل المؤسسـة الواحــدة كما هو الأمــر، مثلا، بالنسبة للمؤسسة البرلمانيــة حيث ينبغي الإبقــاء على قنوات الحوار مفتوحة دائما بين مجموع مكوناتهــا، ونفس الشيء بيــن السلطات الحكوميـة ومؤسسات الوساطــة التي يتحتــم جعــل تأثير أدوارها ومهامها الدستورية في مستـــوى التطورات والتحــولات التي يعرفها المجتـمع، وكل ذلك بتواز مـع قيــام كـل مؤسسة بمسؤولياتها والاضطــلاع بمهامــها، لأن الحــور لا يعنــي هــدر الزمن والدوران في حلقـــة مفــرغــة، وإنما هو الوسيلة الأكثر صلابة للوصول إلى النتائج المبتغاة.
وهناك اليوم الكثيـر من القضــايا التي مــن المفــروض أن تكــون مــوضع نقاش وحــوار، وطنـي أو قطــاعي، واسـع وهادئ ومنتــج، فأمامنا ترسانة مــن القوانين (حـوالي 50) ذات الصلة بتنزيل ما تبقى من مقتضيات الدستور، وهناك التطورات الجديدة التي تعرفها القضية الوطنية، وهناك ملف التعليــم، وهناك موضوع تفعيل مؤسسات الحكامة، وهناك إشكالات دعــم التماسـك الاجتماعي، وهناك أسئلة النموذج الاقتصــادي وجاذبيتـه، وهناك قضايا الشغل والتشغيل، وهناك وهناك…
وبطبيعة الحال، فواقع مغرب اليوم ومساره هو كتاب مفتوح أمام الجميــع بكل تحدياتـه ورهاناتـه، وبكل إكراهاته وإنجـازاته، وإثارة موضوع الحاجة للحوار إنمـا تأتي مــن كـون تعزيز منهجيـة الحوار والتشاور والمقاربة التشاركيــة… كلها عناصر إيجابية في تقــوية نعمــة الاستقرار التي يتميز بها المغرب، وتعزيز المكتسبات الديمقراطيـة، وربــح رهانات التنميــة الاقتصادية والاجتماعيــة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية في عطلة من الإثنين المقبل إلى الخميس

أعلنت وزارة إصلاح الإدارة والوظيفة ...