الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / المغرب-إسبانيا.. تقييم وتعزيز آليات التعاون وأواصر الجوار

المغرب-إسبانيا.. تقييم وتعزيز آليات التعاون وأواصر الجوار

“… إننا نعتبـر أن الوضع المتقــدم، الذي يجمع بـلادنا بالاتحـاد الأوروبـي، ليس غايـة في حـد ذاتـه، وإنما يشكل مـرحلـة هامـة في طريـق توطيد شراكـة مغربيـة أوروبيـة، نريدها منصفة ومتوازنــة. لذا، فإن المغرب يولي أهمية كبـرى لنجاح المفاوضات الجارية من أجل التوصل إلى اتفاق للتبادل الحر شامل وعميق … وبموازاة مع تعزيز علاقاته المتميـزة مع هـذا الاتحـاد، فإن المغرب يحـرص على تنـويع، وتوسيع علاقاتــه الثنائيــة مـع دولــه”.

من خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لعيد العرش

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

ليست قليلــة تـلك الــروابـط والمحطــات التي تعطــي للعـلاقات المغربيــةــ الأوروبية أهميتها وكثــافتها في العديد مـن مجالات الاقتصاد والتبادل، وغيرها مــن أشكال التعاون على المستويين الثنـائي والجمـاعي، وعبر مسافات زمنيــة قصيرة، كثيرا ما يكون الطرفان، المغربي والأوروبــي، مدعـوين إلى مناقشـة ومعالجــة قضـايا وملفات هامــة تتــزامن في نفــس الوقت والظرفيــة.
هـذا ما حصل، خــلال الأسبــوع الماضي، حيث شهـدت سمـاء العلاقات المغربية ــ الأوروبية تـزامن حــدثين هاميــن:
* الأول يتعلـق بمصادقة هيئــة المفوضيـن بالاتحاد الأوروبي على ملاءمة مقترحي الشـراكة والاتفــاق الفلاحي بين الاتحـاد الأوروبي والمغرب.
* أما الثاني، فيتمثل في الإعــلان عن الزيارة التي من المنتظر أن يقوم بها رئيس الحكومة الإسبانيـة للمغرب، قـريبا حسب مصدر مقرب من الرئيس الجديد لحكومة مـدريد.
ومن دون شـك أن للحـدثين معــا أهميتهــما وتقاطعاتهمــا مـع بقيـــة الملفـات التي تتمحور حولها جسـور التعـاون والعلاقات المشتركــة بين المغرب والشركاء بالضفــة الأخـرى، وما يحــدث مــن تـزامن في بعض الأحـداث والمحطات والمناسبـات، إلا عربون عما تتميــز به هــذه العلاقات من كثافــة وتطور وتنــوع، إضافـة إلى رصيد التاريخ المشتــرك، والحافل بالأحداث، الذي تخــتزنــه ذاكــرة بلــدان وشعـوب الضفتيـن.
والتوقف عند الحدث الأول، أي موضوع الشراكة والاتفــاق الفلاحي، يجعلنا أمام ملف أكبر بكثير مـن اتفاقيـة محدودة، لأن (الاتفاق الفلاحي المغرب ـ الاتحاد الأوروبي) ما هو إلا جزء من صرح الشراكة القائمة بينهما، وثمرة مـن ثمار مسلسل طويل من المشاورات والمفاوضات والبروتوكولات التي أفضت اليوم، وبعـد (الوضع المتقـدم) الذي حصل عليه المغرب، ليكـون من البلدان القـلائل المعنية بإمكانية إبرام اتفاقيـة تبادل حـر شامل والانخـراط في جيـل جـديد مـن الاتفاقيـات والشراكات الإيجابيــة.
وإن كانت الأسباب والأهداف التي تحـرك الجهات المتربصة بالاتفاقية الفلاحية، تتلخص في السعي إلى التشكيك في مشروعية استرجاع أقاليمنا الجنوبية، وعرقلة إنهاء النزاع المفتعل حولها، فإن المحاولات السابقة والمتواصلة، لمدعمي الأطروحـة الانفصالية، لن يكون مصيرها سـوى الفشـل والارتـداد، وهذا، على الأقل، ما يمكن أن يفهم مـن مصادقة هيئـة المفوضيـن بالاتحاد الأوروبــي على صيغة الملاءمـة التي تـدمج منتوجات الأقاليم الصحراوية المغربية ضمـن الاتفـاق الفلاحي، وقد تعززت هذه الصيغة بعناصر جـديدة، تنضاف إلى مقومات شرعية وقانونية الاتفـاق، حيث تؤكد المصادر الأوروبية نفسها بأن “المشاورات الشاملة التي جرت مع الممثلين المحلييـن والمجتمع المدني ومختلف الهيئات، أسفرت عـن دعـم واسـع لتأكيد إدمـاج منتوجات الأقاليم الجنوبيـة في الاتفاق، بالنظر للامتيازات السوسيو ـ اقتصادية بالنسبة للساكنة ولاقتصـاد الجهـة”، وفي كـل ذلـك ما يساعـد مؤسسات الاتحاد الأوروبي (مجلسا وبرلمانا ومحكمة..) على تجاوز الادعاءات المزعومة التي لا طائل من ورائها ســوى الإيقاع بين الشركــاء وتشجيع التوتر وتوسيع أهواله.
هذا من جهة، أما بالنسبة للزيارة المقرر أن يقـوم بها السيد رئيس الحكومة الإسبانيـة للمغرب، مباشرة بعد عودة العاهل الإسباني من زيارته لواشنطن (المفروض أن تكون قد اختتمت)، وبالنظر إلى علاقاتهما المشتركة، فلا شك أن لها أهميتها، وتعد حدثا سياسيا ودبلوماسيا كبيرا بالنسبة للبلديـن وللمنطقة المتوسطية، ومعروف أن هناك العــديد من العناصر والمعطيات التاريخية والسياسية والجغرافية التي تعطــي لعلاقات الربـاط ومـدريد تميزها وعمــقها، وتكفـي الإشارة هنا إلى بعضها، على سبيل المثـال:
* أن العلاقـة بين العائلتين الملكيتين، المغربية والإسبانية، كانت دائما ممتازة وودية، وكثيرا ما ساهمت فـي تطـويق ومعالجــة بعض المشاكل التي تفرزها تطورات الحياة السياسيـة.
* كثافـة حجــم التعاون والتبادل الذي يجمـع البلديــن في مجالات الاقتصاد والتجـارة والاستثمارات، وما يوازي ذلك من الملفات على المستوى السياسي.
* الموقع الجغرافي الذي يجعل من المغرب وإسبانيا شـريكين وفاعليــن أساسييــن في ترجمـة الحاجة إلى أن يكون الحوض المتوسطي محورا من المحاور الرئيسية المؤهلــة للجــواب على إشكالات وأسئلــة وفرص الحاضر والمستقبــل.
* نهج سياسة الجوار والتصدي للتحـديات المشتركـة في ميادين الأمـن والاستقرار، ومعالجة معضلة الهجـرة، وما يرتبط بالجريمة المنظمة العابرة للقارات.. إلخ.
كل هـذه العناصر تجعل المتتبعين ينظرون إلى هــذه الزيارة باهتمام بالـغ، خاصة بالنظر إلى الوضع الجديد الذي خلقه صعود الحزب الاشتراكي، بقيادة بيدرو سانشيز، إلى دفــة تدبير الشـأن العــام في الجارة الإيبيـرية، وكـذا باستحــضار بعض التطورات والقـضايا الدولية والإقليميـة التي يمكن أن تتأثر بوضعية العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد.
على أن ما يمكن أن يكون محط ترقب وتتبع أكثر،هو ما ينتظر أن تسفر عنـه زيارة سانشيز إلى العاصمة المغربية من نتائـج، لاسيما وأن الأوساط الإعلامية والدبلوماسية تشير إلى أن الإعلان عن هـذه الزيارة كان مرفوقا ببعض الإشارات الدالة على وعي الحكومة الإسبانية الجديــدة بأهمية العلاقات مع الجار المغربي، كما ظهر ذلك من خلال الإعلان بأن هذا الأخير هو وجهة أول زيارة يقوم بها سانشيـز إلى الخارج بعد تسلم مهامه، وذلك وفاء لما دأب عليه رؤساء الحكومات الاشتراكية منذ عودة الديمقراطية إلى هذا البلد في أواخر السبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضـي بالقيام بأول زيارة لهم إلى الرباط أولا.
فآليات التعاون بين البلدين قد تكون في حاجة إلى تقييم وتعزيز، كما يستشف ذلك من توصيات أشغال المنتدى البرلماني المغربي الإسباني، المنعقد شهر أبريل الماضي، والذي دعا إلى تعميق أواصر التعاون والحوار من أجل دعم العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتفكير في بناء نموذج جـديد للتعاون الاقتصادي يستحضر التحديات والإمكانيات التي تتيحها المعطيات الجديدة على الصعيدين الجهوي والـدولي.
وفي موضوع الصحراء المغربية، الذي تعرف إسبانيا حقائقه وأدق تفاصيله وأهميته بالنسبة للاستقرار ولاحترام المشروعية والحق المغربي..، فإن التعامل الموضوعي يقتضي استحضار الحقائق التاريخيــة في هذا الملف الذي تتواصل بشأنه جهود الأمم المتحدة سعيا للوصول إلى حل سياسي مقبول من كل الأطراف.
أما بشأن المناوشات والمناورات التي تروج، في المحافل الأوروبية، لأطروحة الانفصال واختلاق كيان جديد في المنطقة، فإن جــواب المؤسسات الأوروبية نفسها كـان واضحا، وبالرغم من ذلك، فإن الجهات المناهضة لوحدة المغرب الترابية تصر على مواصلة هـذا العبث، فبعد الإعلان عن توصيات هيئة المفوضين في الاتحاد الأوروبي بخصوص ملف الاتفاق الفلاحي، سارعت هذه الجهات، في الآونة الأخيرة، إلى الإعلان عن (الطعن) في قرار مجلس الاتحاد الأوروبي الذي يسمح بمباشرة مفاوضات تجديد اتفاقية الصيد البحري مع المغرب.
ومعلوم أن إسبانيا ظلت دائما تدعم وتساند بكل وضوح تجـديد اتفاق الصيد البحري مع المغرب، ومن المؤكد أن حكومـة مدريد الجديدة ستتعامل بنفس الوضوح والمعنى في الجوانب الأخرى لقضية الصحراء.
ومن جهته، فإن المغرب أكد، ويؤكد دائما، على أنه يظل ذلك الفاعــل الفاعل والشريك الجدي والملتزم بتعهداته، والمستعد للتعاون مع الجميع من أجل تثبيت وتعزيز مناخ الأمن والاستقرار، وبناء آليات التعاون والشراكات المتوازنة والمنصفة، وكما قال جلالة الملك، في خطاب الذكرى الخامسة عشرة لعيد العرش، “…إننا نعتبـر أن الوضع المتقــدم، الذي يجمع بـلادنا بالاتحـاد الأوروبـي، ليس غايـة في حـد ذاتـه، وإنما يشكل مـرحلـة هامـة في طريـق توطيد شراكـة مغربيـة أوروبيـة، نريدها منصفة ومتوازنــة. لذا، فإن المغرب يولي أهمية كبـرى لنجاح المفاوضات الجارية من أجل التوصل إلى اتفاق للتبادل الحر شامل وعميق … وبموازاة مع تعزيز علاقاته المتميـزة مع هـذا الاتحـاد، فإن المغرب يحـرص على تنـويع، وتوسيع علاقاتــه الثنائيــة مـع دولــه”.
وبهذه الروح الإيجابية، والمنفتحــة على حقائق العصر، يضطلع المغرب بأدواره الرائــدة، على المستوى الدولي والقاري والإقليمي، مساهما بشكل فعال في التصدي للمشاكل والتحديات الكبرى الموضوعة اليوم أمام الإنسانية جمعـاء، سواء منها ما تعلق بالإشكالات الإيكولوجية والتنمية المستدامة، أو بملفات الأمن والإرهاب، أو تحديات الهجـرة…، ومن ثمة كان من الطبيعي أن تعتبـر المفوضية الأوروبيـة المغرب “شريكا رئيسيا وجارا جنوبيـا مهمــا”.
وكما يدرك الشركاء في الضفة الأخرى ذلك، فإن المغرب، وفي كل الأحوال، لن يتوانى في دعـم المشروعية والقضايا العادلـة، والدفاع عن حقــوقه ومصالحــه المشروعة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ساجد يترأس اجتماع المجلس الإداري لمؤسسة دار الصانع

ترأس محمد ساجد وزير  السياحة ...