الرئيسية / رأي / وضع النقط على الحروف

وضع النقط على الحروف

“إن العامل والقائــد، والمدير والموظف، والمسؤول الجماعي وغيرهم، مطالبون بالعــمل كـأطر القطاع الخاص أو أكثر، وبروح المسؤولية وبطريقـة تشـرف الإدارة، وتعطي نتائـج ملموسة لأنهـم مؤتمنون على مصالح الناس”.

من خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى 18 لعيد العرش

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

التعليمات الملكيـة السـامية الموجهـة إلى وزارة الداخليـة، والتي تخص مـعايير تحمل المسؤولية وترشيد الأداء، هي بمثابة مبادرة تنبيــه جــديدة تنم عــن الحرص والإصـرار الملكييــن على جعل تدبيـر الشـأن العام محصنا مـن كل عوامل الاختــلال والتسيب، وهي أيضا مبادرة تحمــل من الأبعــاد والدروس ما هو أوسع وأبعــد من أن يهــم فقط قطاع من القطاعات الحكوميــة أو جهاز من أجهـزة الدولـة ومـؤسساتها.
وفي التعميم الإعــلامي الذي قامت به وزارة الداخلية، من خلال بلاغها الرسمي، حرصت هـذه الأخيـرة على بسط الموضوع بصراحة وشفــافية، معلنة أن التعليمات التي أصدرها جلالة الملـك لوزير الداخليـة تتعلــق بـ “اتخــاذ التدابير الـلازمة من أجـل تحقيق فعاليـة أكبـر وترشيــد أمثل للموارد البشـريـة بهيئــة رجال السلطـة، وذلك من خـلال تكـريس معاييـر الكفــاءة والاستحقــاق فـي تولـي مناصب المسؤولية بهــذه الهيئـة”.
وحسب البلاغ نفسه، فإن الوزارة لــم تتــردد في اتخــاذ ما يستوجبه الموقف مـن قرارات وتـدابير، وذلك على ضـوء التعليمات الملكية وباعتمـاد مساطر جــديدة، في تــولي مهام المسؤوليـة، تستنـد على مبادئ الاستحقــاق وتكافـؤ الفــرص، والمبـدأ الدستوري لربـط المسـؤولية بالمحاسبــة الذي لـن يستثنــي أي مستــوى من مستويات المسؤولية في هيــئة رجــال السلطة.
ومع تعدد درجات المسؤوليــات في هـذه الهيئــة يكون من الواضـح أن اعتماد هـذه المبادئ، وترشيد وتخليــق الأداء الوظيفي لرجال السلطـة، مسألة لها أيضا صلــة مباشرة بالمواطنين مـن مختلـف الشرائح الاجتماعيـة في المدن كمـا فـي البــوادي، سواء في تقــديم الخـدمات الإدارية أو استتبـاب الأمـن وحمايــة حقـوق المواطن، وما إلى ذلك… وسبق لجلالة الملك أن أكــد في خطاب الذكرى 18 لعيد العرش على أنه بالنظر إلى أوضاع البلاد ” فإن العامل والقائــد، والمدير والموظف، والمسؤول الجماعي وغيرهم، مطالبون بالعــمل كـأطر القطاع الخاص أو أكثر، وبروح المسؤولية وبطريقـة تشـرف الإدارة، وتعطي نتائـج ملموسة لأنهـم مؤتمنون على مصالح الناس”.
فالتعليمات الملكيــة الموجهة لوزارة الداخليــة تنبثق- ولاشك- من الرؤيــة الملكية والنهج الاستراتيجــي لبناء المغرب الصاعــد باستثمار كل إمكانياته وطاقاتــه الواعــدة، ما يعني أن المعاييــر والمبادئ والقواعـد الواردة في تعليمات جلالتــه تــهم- وينبغي أن تهــم- باقي القطـاعـات والمرافــق، باعتبار أن الترشيد والكفــاءة والاستحقاق وربط المسؤولية بالمحاسبــة كلهـا عناصــر يجب أن يؤخــذ بهـا فــي تدبير الشــأن العـام وعلى كــل المستويات، بل إن هـذه العناصر تعــد اليــوم من الشــروط التي لا مناص منــها لأي طمــوح وعمل إصــلاحي تنمــوي وتحــديثي.
وهـذا ما عبر عنــه التفاعل السريع للحكــومة مــع المبادرة الملكيــة، كما ظهر ذلك في اجتماعـها الدوري الأسبوع الماضي، حيث كان الموضوع في مقــدمة أشغال الاجتماع الحكــومي، مؤكدا على اتخــاذ كل التدابير اللازمـة لتفعيــل مضمونها، وعلى تعميـــم مقتضياتهــا فــي كـل القطاعات الحكـوميـة، مــع الالتــزام بــ:
* تفعيل الإجـراءات والقوانين التي يتوفر عليها المغرب، ووضع حــد لأي شكل من أشكال التسيـب والفساد والرشوة، أو المجاملة في التعييــنات.
* مواصلة البحث في بعض الحالات التي هي موضع تحقيق، وعــدم التسامح في حالة وجــود إخــلال جسيــم بالمسؤوليــة.
* قيــام جميـع أعضاء الحكــومة بتفعيــل المفتشيات العامــة بالقطاعات التي يشرفــون عليهـا وأن يكـون لها برنــامج سنــوي منتظــم.
* ضــرورة تتبــع القضايا، ذات الصلة بالموضوع، التي تثيــرها الصحافـة، والتفاعــل مـع الملفـات التي تنشرها.
ومن المعروف أن اهتمام جلالة المــلك بعمل وأداء الإدارة الترابية، وبمواضيع التخليــق والترشيـد، ليس بجديد أو وليـد اللحظـة، فمنذ خطاب المفهـوم الجديد للسلطة (أكتوبر 1999)، دعا جلالته الإدارة الترابية إلى أن تــركز اهتمامها على ميادين جـديدة أضحت تحظى بالأهمية والأولوية، وعلى تسخيـر جميع الوسائل لإدماج الفئــات المحرومة في المجتمع وضمان كرامتــها، كما دعــا، في حينه، إلى سـن قوانين تمكن من تكييــف النظام الجماعي مـع الحياة المحليــة.
وفي خـطاب افتتاح الدورة البرلمانية (أكتوبر 2008)، دقـق جلالته قــائلا : “إن حرصنا على ترسيـخ دولة القانــون وتخليـق الحياة العــامة، منهـج متكامل لا يقتصر على مجرد مظاهر إداريــة أو سياسيـة أو عمليـات انتخــابية، وإنــما يمتد إلى المجال الحيــوي لسلامــة وشفافيــة المعاملات الاقتصاديــة، كما أن الحكــامة الجيـدة لا يمكــن اختزالها في المجال الحقــوقي أو السياســي… وفي هـذا السيـاق، يندرج حرصنا على تفعيـل مجلس المنافسـة والهيأة المركزيـة للوقاية من الرشــوة، وكذا تـوفير مجمـوعة مـن التشريعات والآليات لحمايـة حرية المبادرة، وضمان المنافسـة النزيهـة. وإننا لنحـث مختلف الهيئـات على أن تمارس الصلاحيات المنوطـة بها، على الوجه الأكمـل، وبما يتطلبـه الأمـر من حـزم وإقـدام وغيــرة على الصالـح العـام”.
وبمنطق الأشيــاء يفهم كــل متتبـــع أن المبادرة الملكيــة الجديدة، التي تلتهـا حركة انتقالية واسعة في صفوف الإدارة الترابيـة نهاية الأسبوع المنصرم، لم تأت بمعزل عن معطيات الظرفيــة السياسية والاقتصاديـة والاجتماعيـة، فعلاوة على ما يطبــع المناخ السياسي العام مـن ملاحظات تستدعي مـن كل الأطراف الجــادة والمسؤولـة والمتبصرة مواصلة الجهــد من أجل تحصين الحياة السياسية من أي عبـث أو مساس بقواعد وأسس الممارسة الديمقراطيــة…
وعـلاوة على تلك الملاحظات، فإن حـدة السؤال تــزداد بشأن تنزيل بعض الانتظــارات، كما هو الأمر مثلا بالنسبة لورش الجهـــوية المتقدمة، والنموذج التنمــوي الجديد، وتحسين مــناخ الأعمـال وتقـوية تنافسيـة الاقتصاد الوطنـي، إلخ.
أما في المجــال الاجتماعي، فهناك مجموعة مـن الملفات والمطالب التي تنتظــر، أو التي تبرز بحـدة من حيـن إلى آخر، والتي تتطلب التفاعل الإيجابي معهــا، سواء ما تعلق منها بالخــدمات الاجتماعية، أو تحسين القدرة الشرائية، أو حماية المستهلكيــن من الجشع والتجاوزات. ومن المؤمل، في هذا الباب، أن يسفــر لقــاء رئيس الحكومـة مع النقابـات الأكثر تمثيليـة، المقرر هذا الأسبوع، عن نتــائج أو اتفـاق يفتــح المجـال لتقــدم الحــوار الاجتماعــي.
هكــذا، وباستحضار مثل هذه الانتظـارات، ودون نسيــان التحــديات الخارجيـة، يتبين بأن النجــاح في الاضطــلاع بمهام الساعــة والتجاوب مع مختلف الانتظارات، ليس باليسير أو الهيــن، على أنــه أيضا ليس بالمستحيــل على الأقــل سياسيــا، بالنظــر إلى الإرادة السياسيــة المعبر عنــها بقيادة جــلالة الملـك ومبادراتــه المتواصلـة ومنها التي نحن بصددها في هـذا الحيز.
وإذا كانت المبادرة الملكيــة هاته تضع الأصبــع على عنصر حيــوي في تدبيــر الشـأن العام وخـدمة البلاد والعباد، وتعيــد التأكيــد عـلى قيـم وخــصال ومبادئ أساسية في تحمل المسؤوليات وخــدمة الصالح العام باستحــقاق وكفــاءة ونــزاهة، فإنها بذلك إنـما تعبــر عـن ما لهــذا البلــد مـن حظوظ ومقــومــات التقـدم وتحقيق رهـاناته وطموحــاته في مختلف المياديــن، معـززا في ذلـك بثــوابته وخيــاره الديمقراطي، وأيضا بطــموحه المشروع المتمثــل فــي الأهـداف المسطرة والمشاريـع والأوراش المفتـــوحة، بما فيها التحولات والإنجــازات والنتائـــج المحفــزة والمحقــقة في مجال التجهيز والقطاعات الصناعية والسياحية.. وفي مجــال توسيع واستقطاب الاستثمار، إلخ.
ومع كل ما لهــذه العناصر مـن أهميــة، فهي في نفس الوقــت إنما تزيد مـن حجــم المسؤولية في التدبير والإنجــاز، وفي تقــوية قــدرات البلاد على مواجهة التحديات، وأخذ موقعها فـي قـطار التقدم والتطور، وتجاوز كل الاختلالات، وهو ما يتطلب الحفـاظ على بعض الشروط والأجواء السياسية المساعدة على الاستقــرار في دولة القانـون والمؤسسات، ومــن ذلك تعــزيز قنوات التـواصل والتشاور بيـن الفرقاء السياسييــن، وتوسيع التواصـل والانفتـاح الإعـلامي على مختلف أوساط المجتمع والرأي العام الوطنـي.
إن التغييرات الجديدة التي طالت مصالح الإدارة الترابية والتي هي في الحقيقة ارتدادات قوية للزلزال الذي عصف بمسؤولين كبار (وزراء وغيرهم) أثناء غضبة الحسيمة، قد وضعت النقط على الحروف، وذلك بإبعاد وتنحية العقليات المتحجرة التي كانت تتعامل بنوع من الاستهتار والبيروقراطية الاستاتيكية الجامدة التي تجاوزها الزمن، والعمل على تحميل المسؤولية لنخب جديدة قادرة على إعطاء نفس جديد للعمل الإداري الحي، وضخ دماء جديدة في شرايين الإدارة الترابية، كما أنها رسالة قوية واضحة وغير مشفرة موجهة إلى باقي الإدارات العمومية الأخرى للارتقاء بعملها من أجل خدمة الوطن والمواطنين لإزالة تلك الصورة النمطية التي عششت في الأذهان منذ مدة طويلة وساهمت في تكريس روح اللامبالاة ورسخت مفهوم الانتهازية البيروقراطية التي شكلت على مر الزمان عبئا ثقيلا على الدولة وعلى المجتمع بدون أن تقدم نفعا ملموسا للوطن وللمواطنين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

طنجة.. مصرع صاحب “مركز للنداء” بعد سقوطه من مكتبه

رسالة24 – رشيد عبود // ...