الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / خطاب الحزم والوفاء

خطاب الحزم والوفاء

“ينبغي أن نضع محاربته (أي الفساد) في صميم أولوياتنا، طالما أنه يشكل أكبر عقبة تعيق جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحد من طموح شبابنا. فمصلحة شعوبنا تقتضي، تحصين، جميع الفاعلين في مجتمعاتنا من هذه الآفة، وتعزيز روح المسؤولية لديهم”.

من خطاب جلالة الملك إلى القمة ال 31 للاتحاد الإفريقي

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

أجمعت التقارير والتغطيات الإعلامية من العاصمة الموريتانية على الوقع الكبير والأصداء الاستثنائية التي أحدثها خطاب جلالة الملك إلى القمة ال31 للاتحاد الإفريقي، التي انعقدت، تحت شعار: ” كسب المعركة ضد الفساد.. مسار مستدام لتحويل إفريقيا”.
ومما يفسر الترحاب والاهتمام الذي استقبل به الخطاب الملكي، هو أنه، وعلاوة على مضمونه البالغ الأهمية، يحمل أيضا دلالات وإشارات سياسية ودبلوماسية واضحة، ومنها بالخصوص:
* أن محمد السادس كملك للمغرب، وكرائد إفريقي كبير، يعبر عبر هذه الرسالة عن اهتمامه بأشغال القمة الإفريقية، كما عبر عن ذلك، خلال الفترة الفاصلة بين القمة السابقة والحالية، من خلال اتصالاته وتواصله المستمر مع القادة الأفارقة.
* أن انشغالات المغرب بأوراشه التنموية، وبمشاريعه في البناء الاقتصادي والديمقراطي، لا ولن تمنعه من الحضور الدائم في قلب انشغالات إفريقيا.
* أن المغرب حريص كل الحرص على المشاركة الفعلية، بإمكانياته وتجربته المشهود بها، في بلورة القرارات والحلول الناجعة لمعالجة مختلف التحديات التي تواجه قارتنا التي نريدها قارة صاعدة، ثم إن القمة الـ31 للاتحاد الإفريقي في السنة الموالية لعودة المغرب المشهودة لموقعه في المؤسسات الإفريقية، وبالذات الاتحاد الإفريقي الذي كان المغرب من أبرز مؤسسيه في صيغته الأولى (أي منظمة الوحدة الإفريقية).
والجدير بالذكر، فإن جلالة الملك، وفي خطابه أمام القمة الإفريقية، التي تلت عودة المغرب إلى موقعه الطبيعي… قال إن المغرب لا يدخل الاتحاد الإفريقي من الباب الضيق، “وإنما من الباب الواسع، وأن الاستقبال الحار الذي خصنا به إخواننا الأفارقة اليوم، لدليل قاطع على ذلك”، وأضاف جلالته بأن المغرب اختار سبيل السلم والتضامن والوحدة و”إننا نؤكد التزامنا من أجل تحقيق التنمية والرخاء للمواطن الإفريقي”.. وهاهي الرسالة الملكية تستقبل كعربون عن حرص المغرب عن الوفاء بالتزاماته من أجل تنمية القارة وبناء إفريقيا جديدة.
والخطاب الملكي لم يكتف بالشعارات والمتمنيات، بل يستحضر معادلات ثلاث، أي الواقع والإمكانيات والأهداف، وذلك بمنهجية الحاضر والفاعل المسؤول والقادر على وضع الاستراتيجية المناسبة لكل إشكالية ومعالجتها، فإن كانت آفة الفساد تشكل معضلة متعددة الأبعاد والمخاطر، فإن الخطاب الملكي ينبه إلى أن هذه المعضلة ليست بقدر محتوم على إفريقيا، وبالتالي، يؤكد جلالته بقوله: “ينبغي أن نضع محاربته (أي الفساد) في صميم أولوياتنا، طالما أنه يشكل أكبر عقبة تعيق جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحد من طموح شبابنا. فمصلحة شعوبنا تقتضي، تحصين، جميع الفاعلين في مجتمعاتنا من هذه الآفة، وتعزيز روح المسؤولية لديهم”.
وحين يقول خطاب جلالة الملك، الذي ألقاه أمام القمة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي السيد ناصر بوريطة، بوضع محاربة الآفة ضمن مقدمة الأولويات، فإنه لا يبني القول على النظريات والاحتمالات الافتراضية، بل ينطلق من وقائع ومعطيات ملموسة ومن عناصر دقيقة نجملها في ثلاثة:
أولها، حجم المخاطر والعواقب الكارثية التي يمثلها سرطان الفساد بالنسبة لكل المجتمعات، التي لم تحصن نفسها من تفشي سلوكاته المدمرة، حيث تشير العديد من المعطيات والتقارير الدولية إلى الموضوع، وما يمثله من أخطار تتهدد جهود التنمية والحياة الديمقراطية والسلامة الاجتماعية، يتطلب تعاون وتنسيق الجهود الدولية والجهوية من أجل تطويقه، كما تفيد هذه التقارير بأن الفساد يشكل أحد المعيقات الرئيسية التي تحد من المجهودات التنموية في إفريقيا.
ثانيا، أن إفريقيا لا تنعدم بها إمكانيات وحظوظ خوض معركتها ضد الفساد والنجاح فيها، فتوسيع وتمتين جسور التعاون والتضامن بين بلدان القارة، وما عرفته من خطوات مهمة في مجال دمقرطة وتخليق مؤسساتها، والسير نحو اعتماد آليات الحكامة، كلها عناصر مساعدة وممهدة للتقدم على هذا الطريق، ثم هناك الجيل الجديد من الطاقات والكفاءات التي تتزايد بشكل واعد في مختلف البلدان الإفريقية، ومعلوم أن جلالة الملك كثيرا ما أكد على أن مستقبل إفريقيا يتمثل في شبابها.
ثالثا، هناك عنصر التجربة ونتائج العمل المنجز في مجال التصدي للفساد والانحراف، وبهذا الخصوص إشارات الرسالة الملكية إلى أن بعض بلدان القارة حققت في هذه المعركة نتائج تضاهي ما تحقق في بعض البلدان الأكثر تقدما، كما أن تجربة المغرب تبقى نموذجية بالنظر إلى المجهود المبذول والتدابير المتخذة، فبالإضافة إلى مصادقته على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، بادر المغرب إلى إقرار تدابير الحكامة والشفافية في مؤسساته، وارتقى دستور 2011 بمجموعة من المؤسسات والآليات التي تسهر على ضمان الحكامة في تدبير الشأن العام، وحرية المنافسة، ومحاربة الرشوة، والتقيد بقواعد دولة الحق والقانون …
ومن جهة ثانية، فإن الخطاب الملكي، بدلالاته ومضمونه، بقدر ما يعبر عن حرص المغرب على انتمائه الإفريقي، وانشغاله بقضايا القارة وتطلعات شعوبها، بقدر ما يؤكد ويجدد استعداد المغرب لتقاسم تجربته وخبرته مع الأشقاء الأفارقة من أجل إنجاز وإنجاح هذه المهمة الحيوية التي حظيت بالمكانة المركزية في القمة الإفريقية التي احتضنتها عاصمة الشقيقة موريتانيا.
وبخصوص بعض القضايا الأخرى، ومنها قضية الصحراء المغربية التي تم إقحامها في أشغال القمة، فإن المغرب له دائما حق التحفظ، واتخاذ الموقف المناسب، تجاه كل ما يتعارض مع الشرعية والمشروعية، فالمغرب من حقه، بل ومن واجبه، أن يعلن من نواكشوط، على لسان وزير خارجيته، رفضه التام لما قيل بشأن تشكيل “لجنة رئاسية تساهم في حلحلة نزاع الصحراء”.
فالمعروف دوليا وإفريقيا بأن ملف (نزاع الصحراء) تشرف عليه وتواكبه الأمم المتحدة، عبر مجلس الأمن والمبعوث الشخصي للأمين العام، وقبل أيام معدودة قام هذا الأخير بزيارة للمنطقة التي التقى خلالها مع مختلف أطراف النزاع، كما قام بزيارة للأقاليم الصحراوية، حيث اطلع على حقيقة الوضع في عين المكان، كما التقى بفعاليات المجتمع المدني وبممثلي السكان الحقيقيين، وبكون الأمم المتحدة الجهة المكلفة حصريا بما يسمى بملف الصحراء.
إنه لا يمكن فهم تشكيل (اللجنة) المعلن عنها، إلا باستحضار المناورة التي قامت بها الجهات المناوئة لمغربية الصحراء لما حاولت التشويش على زيارة المبعوث الشخصي للامين العام الأممي، السيد كوهلر، ولما حاولت الجماعة الانفصالية اللقاء برئيس المفوضية الإفريقية بمنطقة (بير لحلو) عوض مخيمات تندوف، وواضح أن مثل هذه المناورات فيها من التجاوزات ما قد يعرقل مهمة الأمم المتحدة وأيضا إعادة شحن الأجواء في الفضاء الإفريقي بما يشغله عن المشاكل والتحديات الحقيقية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ساجد يترأس اجتماع المجلس الإداري لمؤسسة دار الصانع

ترأس محمد ساجد وزير  السياحة ...