آخر أخبارسياسة

صبري لـ”رسالة 24″:فاعلية المغرب في مقابل انفعالية الجزائر

“الملك يتودد مرة أخرى للجزائر” هو العنوان المهزلة للمقال الذي نشرته جريدة الخبر الجزائرية عقب خطاب جلالة الملك الأخير الذّي جاء بمناسبة عيد العرش المجيد، و الذي أخدت فيه العلاقات بين البلدين حيّزا مهما. عنوان جاء حلقة في سلسلة الردود الانفعالية التي دأب النظام العسكري تكريسها، و التي تفضح إفلاسه أمام مرأى و مسمع المجتمع الدولي. “رسالة 24 ” تواصلت مع عبد النبي صبري أستاذ العلاقات الدولية لتوضيح طبيعة العلاقات المغربيّة الجزائرية على ضوء ما جاء في الخطاب الملكي السامي.

يستهل الأستاذ صبري الحديث عن العلاقات المغربية الجزائرية، قائلا ” إن جلالة الملك يعطي دائما التوصيف الدّقيق لهذه العلاقات و يقترح كذلك العلاج الملائم. فالضوابط المؤطرة للعلاقات الخارجية للملكة المغربية تستحضر حكمة لمؤسس ثوابت الدولة المغربية الحديثة وهو الحسن الثاني رحمه الله، و التّي مازالت تطبّق لحد الآن…” من عاملك بالخير عامله بالخير ومن عاملك بالشر عامله بالخير إلى أن يغلب خيرك شره” فملوك الدولة العظام دأبوا دوما على حسن الجوار في كافة تجلياته وخصوصياته وأبعاده، و بنجاحاته وإخفاقاته وتطلعاته.

و بالاستقراء الكرونولوجي لخطابات العرش، يلاحظ أستاذ العلاقات الدولية أن جلالة الملك محمد السادس نصره الله سار على نفس هدي سابقيه، فمنذ أول خطاب للعرش، و بعد توليه سدّة الحكم، تحدّث جلالته عن الشراكة والصداقة، و عن بناء المغرب الكبير، و استبق، آنذاك، التحولات التي يعرفها العالم الآن، وأكّد على ضرورة أن تكون العلاقات الجزائرية المغربية إيجابيّة، و أن تشكّل جسرا للتواصل.

و إذا توقفنا عند خطاب السنة الماضية، أشار جلالته إلى مسألة أساسية و بوضوح، وهي أن المغرب متمسك بحسن الجوار، و لن يلحق الضرر بالجارة الجزائر. لكن، لم يكن رد الفعل الجزائري على اليد المغربيّة الممدودة في مستوى التطلعات، فرغم رغبة الداخل الجزائري بفتح الحدود بين البلدين، و بالعمل على تطوير العلاقات بينهما نحو الأفضل، إلا أن أطرافا خارجية، تقتات من خلق الأزمات، و من إثارة المشاكل و القلاقل، و لديها من ينفذ أوامرها للأسف، وجّهت رد الفعل الجزائري نحو قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، في سابقة من نوعها، و بدون سبب، ثم قطع المجال الجوي الجزائري عن الطيران المغربي.  ومع ذلك، تعامل المغرب بحِلمِه المعهود و لم ينسحب وراء ردود أفعال سلبية، بل كان رده دبلوماسيّا و حضاريا و واقعيا سد الطريق أمام إذكاء مثل هذه النعرات التي تريد لها هذه الأطراف الاستمرار، و التّي بلغت مستويات قياسيّة انتفى معها اليقين حول ما يجري في المنطقة.

أما خطاب العرش الأخير، فقد رفع جلالته من سقف التحديات و الانتظارات، فلا أحد كان يتنظر أن يكون الخطاب بهذه الجرأة و الشجاعة، خصوصا عندما خصص حيزا مهما من زمنه للعلاقات المغربية الجزائرية، والذي يؤكد فيه جلالته مرة أخرى على وجوب النظر إلى المستقبل.

و يستشف صبري من هذا الخطاب أن الحل السليم لهذه الأزمة التي تطال البلدين هو جعل العلاقات جسرا لا حاجزا، فلا يمكن القبول بالإبقاء على إغلاق الحدود، و هو الحل الذي ستمتد نتائجه الإيجابيّة ليس المعنِيَيْن بالأمر و هما المغرب و الجزائر فقط بل جميع شعوب المنطقة المغاربية.  هذا الرد المغربي أثار انتباه السلطات الداخلية الجزائرية بما فيها الأمنية والعسكرية والاستخبراتي، فقد توقعوا أن يحمل الخطاب نبرة حادّة خاصّة في ظل الانتصارات الديبلوماسية التّي راكمها المغرب مؤخرا و التّي اخترق بها معاقل أنصار جبهة الوهم في أفريقيا، وأمريكا الوسطى والجنوبية وأوروبا.

 و يعتبر صبري أن جيراننا لا يفهمون خصوصية النظام الملكي بالمغرب بما هو سليل الدوحة النبوية الشريفة، و منها ينهل منابع خصوصيته الحضارية، فالمؤسسة الملكية كانت دائما لا تنحو نحو الانفعال بل نحو الفعالية، ولا نحو إثارة المشاكل وتحويلها إلى خلق إشكاليات بل معالجتها حتى لا تتحول إلى معضلات.

وما أثلج صدر الداخل الجزائري، هو ما يحمله الخطاب الملكي من دلالات سياسية و جيواستراتيجية  عميقة وحيوية بالنسبة للبلدين، فالمغرب قطع،من خلال الخطاب، الطّريق على المآلات الأخرى التّي تريد هذه الأطراف توريط الشّعبين الشقيقين فيها، فالمغرب أكّد بصورة لا تدعو مطلقا للشك على أن ملك المغرب لن يسمح بإشعال الفتن بين البلدين، و لن يسمح بكل ما من شأنه تعميق الخلافات بين الجارين، كما لا يسمح للأبواق الإعلامية المسخرة وغيرها، والتي تطلق تصريحات تحت الطلب، بصب الزيت على النّار لفائدة بعض الأطراف الفاعلة الخارجية، فجلالته وضع حدا لهذه الأمور بشكل صريح. فالمغرب، إذن، لا يريد أن يزيد الأمور تعقيدا، رغم أنه في حضارتنا البادئ أظلم، و ما عضد هذا الموقف هو الاستدلال الملكي بسورة الشرح هذه السورة العظيمة المليئة بالرسائل  والدلالات التّي تدعو إلى الرجوع للحاضر لفهم المستقبل بتحدياته والتطلع نحو الأمام “إنّ مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا”، فالعسر الذي عرفته العلاقات الجزائرية المغربية منذ زمان بفعل الأطراف التي بنت شرعيتها و وجودها و استدامتها من إطالة أمد هذا الصراع سوف يتحول آجلا أم عاجلا إلى يسر لأن العبرة بالخواتيم.

 هكذا، يعتبر صبري أن الداخل الجزائري فهم هذه الرسالة، و الدور على النظام الجزائري الذّي عليه أن يفهم هذه الإشارة، فما يعرفه المغرب من مسيرة تطور وتطوير يمكن للجزائر أن تستفيد منه لبناء علاقات قوية ومستدامة، و لا يمكن بأي حال من الأحوال الانسياق وراء الأقاويل المنفعلة التّي تدّعي أن تطور المغرب، و الذي يزداد رويدا رويدا في بنيته التحتية والهيكلية وفي وجوده ومحيطه الإقليمي يتحقّق على حساب الجزائر أو غيرها، فالمغرب اهتم منذ فترة بأن يكون الداخل قويا بالتحام العرش والشعب، الذي كان منذ قرون وسيزداد قوة إلى أن يرث الله الأرض و من عليها، فهذه الرسالة موجهة للداخل الجزائري وللخارج بشكل عام، لأن المغرب حقّق مغرب الصمود والتّحدّي و الاستقرار الاجتماعي، و الذي يستفيد فيه جميع أبنائه من فرص التنمية، بتوسيع قاعدة الحماية الاجتماعية وتكريس معالم السيادة الصحية… فلا عجب إن حقق نجاحات على مستوى وحدته الترابية، هذا الانخراط في لمّ الشّمل الدّاخلي الذي تفتقر إليه السياسة الجزائرية التي تركن كل مرة إلى استراتيجية الإلهاء الداخلي بربط نجاحات المغرب المحصلة كان بفعل جديد علاقاته الثنائية. و هي سياسة تنتهي كل مرة إلى الباب المسدود لأن هذه المسائل هي سيادية من حق أي دولة أن تربط العلاقات مع من تريد، ومتى تريد وكيف تريد، ولا يمكن لأي دولة حسب قوانين المجتمع الدولي والعلاقات الدولية المعاصرة أن تتدخل في أمور سيادية لدولة أخرى.

و في الأخير، ينتهي صبري إلى دعوة الحكومة الجزائرية الحالية نبذ الانفعال، و أن تشرئب بأعناقها نحو المستقبل، و أن تتمسك باليد التي ما فتئ المغرب يمدّها لها، فهذا مطلب ملحّ إن لم تعمل على تفعيله، فستأتي بالتأكيد حكومات لاحقة ستعمل على تحقيقه بحكم التحولات الجيوسياسية التي تجري على قدم وساق، وبالتالي لا مفر للجزائر من بناء علاقة تعاونية مع المغرب، والابتعاد عن علاقات الصّراع، لأن الاستباق يقتضي أن الوقت آن للتكثل والتطوير، و لبناء التكامل و الاندماجات الإقليمية والجهوية وليس وقت إذكاء النعرات التي لا تسقط إلا أصحابها في شر أعمالهم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock