آخر أخبارمجتمع

محلل إجتماعي معلقا على أحداث البولفار …لابد من إعادة النقاش في التنشئة والعيش المشترك

شغب، عنف، هيجان، شباب من مختلف الأعمار حضروا للإستمتاع بأحد الألوان الغنائية التي يعشقونها بمهرجان “البولفار”، لكنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم داخل فوضى ورعب بسبب بعض المشاجرات العنيفة، الشيء الذي   أدى إلى إغماءات في صفوف جماهير مهرجان البولفار الذي  احتضنه ملعب “الراسينك البيضاوي”.

بسبب هذه السلوكات المشينة طالب رواد مواقع التواصل الإجتماعي بإلغاء هذا المهرجان، الذي أصبح مرتعا لبعض الجانحين والخارجين عن السيطرة بسبب تناولهم للممنوعات، تواصلت “رسالة24” مع المحلل السوسيولوجي رشيد جرموني، الذي سيفسر لنا من خلال هذا المقال  في أسباب إنفلات هؤلاء الشباب، وهل الأنواع الموسيقية يمكن أن تهيج الشباب ليخرج عن سيطرته.

وفي هذا الإطار قال رشيد الجرموني،أستاذ علم الإجتماع، إن ما وقع في البولفار يوم الجمعة  المنصرم، هو مؤشر على وجود توتر وقلق لدى فئة معينة من المجتمع المغربي خصوصا فئة المراهقين.

ويرى الجرموني، أن فكرة البولفار كجمعية تسهر على التنشيط ودعم الثقافة داخل المجتمع المغربي هي شيء إيجابي ومهم جدا لا يمكن لأي شخص إلا أن يثمن هذه المبادرة، في حين يجب أن نكون على وعي تام أن هناك تعددا في الأذواق الفنية، والتعبيرات الموسيقية التي يميل إليها بعض المراهقين وبعض الفئات العمرية، موضحا أن كل جيل يختلف عن الآخر في اللون الموسيقي.

ودعا المتحدث إلى ضرورة احترام التعبيرات المتواجدة في بعض المقاطع الموسيقية، قائلا ”  لا يجب ربط ما وقع في البولفار بالألوان الموسيقية، أو إستنكار التعبيرات الموسيقية الحالية، لكي لا نقع في الربط الميكانيكي، في حين يجب أن نستنكر الممارسة العنيفة التي مارسها البعض خلال تواجدهم في سهرة البولفار، إما بسبب اكتظاظ المكان وتعاطي البعض منهم للمخدرات “.

وفسر الجرموني، هذا السلوك بأنه ظاهرة باطولوجية قد تقع في جميع المجتمعات، حيث وقعت سابقا في أقدس مكان في العالم “الحج” مما أدى إلى وفاة العديد من الحجاج، ولهذا لا يمكن ربط ما وقع بالفن، بل يجب البحث عن الأسباب العميقة التي تؤدي للعنف، مشددا على ضرورة دق ناقوس الخطر، لإعادة النقاش في التنشئة والعيش المشترك، وتجفيف منابع العنف في الأذهان  قبل أن تصل للأجساد، لأن المسألة تحتاج لمقاربة شمولية في التعاطي مع هذه الظاهرة.

مؤكدا في السياق ذاته، على ضرورة الاستمرار في دعم حملة مناهضة العنف، وتمنيع المجتمع من هذه الظاهرة وهذه الفئة خصوصا، دون ربطها بالبولفار، بإعتبار أن فكرة البولفار رائدة ومهمة تستجيب لفئة معينة، وتستجيب أيضا لتطلعات وتعبيرات موسيقية معينة، يجد فيها بعض الشباب ضالتهم، ولهذا يجب أن نتفهم هذا الأمر، وهذا الحدث سيكون مرحلة إنعطافية في التعامل ما بين البولفار والمجتمع المدني والسلطات الأمنية والمحلية خلال تنظيم فعاليات أخرى خلال السنوات المقبلة.

وفي نفس الإطار علق أستاذ علم الإجتماع، على الألوان الموسيقية الحديثة والمتمثلة في “الميطال وغيرها …” والتي بدأت تظهر في الساحة خلال السنوات الأخيرة، وتعشقها فئة لا بأس بها داخل المجتمع وخصوصا فئة المراهقين والشباب بصفة عامة، والتي تشمل تصورين

لا يمكن مقارنة الألوان الغنائية السائدة بالأغنية العربية

التصور الأول: هو تصور معياري، ومهوي ينظر إلى المسألة عندما يقيم الطرف الآخر هذه الأغاني، انطلاقا من منظور معين، مثلا الأغنية السبعينات والتمانينات ” أم كلثوم، عبد الحليم حافظ…. الباحث في علم الاجتماع يطمح للتعبير عن ذاته والتحرر في التقاليد والأعراض والدين وكل شيء، فالذين يفكرون بهذا المنطق ينظرون إلى الألوان الموسيقية الجديدة كأنها انزلاق ورداءة ولا تعبر عن شيء من الموسيقى و الفن، وأعتقد أن هذا التصور غير مناسب لتفهم ما يجري في هذه الألوان الغنائية السائدة حاليا، وبالتالي التصور المعياري الأول الذي يكون له معيار ونموذج معين، ويحاكم به النماذج الأخرى، لا يساعدنا في الفهم، وشخصيا أعترض عن هذا التصور، ففي مرحلة الأغنية العربية كانت هناك تعبيرات تبرز بين الفينة والأخرى ويستنكرها البعض، في  أغاني عبد الحليم حافظ الذي استعمل الدارجة المصرية” وكان يثير حفيظة بعض الفئات في زمنه آنذاك في ظل استعمال مطربين من جيله للغة عربية فصيحة في أغانيهم.

التعبيرات الموسيقية هي نتاج لجيل معين من الشباب

أما التصور الثاني حسب المحلل السوسيولوجبيا، فهذه التعبيرات الموسيقية تستجيب لفئة معينة، وهي نتاج لجيل معين من الشباب لم يعد له ارتباط قوي باللغة العربية، بل يقوم بإنشاء لغة ليست دارجة معيارية، بل تنحوا نحو المستعمل اليومي من مصطلحات ومفاهيم ومقولات انطلاقا مما يروج لدى هؤلاء الشباب، رغم ضمها لبعض الابتذال وهذا ما يزعجنا نحن  كأجيال أكبر منهم لكن بالنسبة إليهم قد يجدون فيها بعض المتنفس، ولا ننسى أن الأغنية تعبر عن نوع من التوتر، حسب المتحدث ذاته.

بعض الأنواع الموسيقية هي تمرد على التقاليد والأعراف

ويضع المحلل الإجتماعي هذا النوع من الموسيقى، في خانة  “التطهير” وهو المفهوم الذي استعمله الباحثون في عهد اليونان مع أرسطو وسيغموند فرويد عندما تحدث هذا الأخير عن “التطهير”، هو نوع من الخروج عن المألوف، “وهو شيء كان مكبوتا عند الإنسان فتفجر في لحظة معينة” سواء في حفل موسيقي أو طقس معين…. ويتم التعبير عنه بطاقة متفجرة تنم عن شباب يطمح للتغيير.

ومن خلال قراءته لهذه الأنواع من الأغاني،  يرى رشيد الجرموني، أنها نوع من التمرد على التقاليد والأعراف، والقيم المجتمع، وكأنهم يقولون هذه لغتنا نحن نريد أن نعيش بها، خصوصا من خلال اللباس والتعبير، ومن خلال إسهام  بعض النماذج العالمية، وهذه المسألة تدخل في نطاق العولمة والكوكبة التي أصبحنا نعيش فيها ونجد تعبيرات موسيقية هنا وهناك.

يجب إبعاد الدين عن التعبيرات الموسيقية

وأوصى المتحدث ذاته، إلى عدم ربط هذه التعبيرات بالخروج عن الدين الإسلامي، فأغلب الفنانين يعبرون عن  اعتزازهم  بالهوية الدينية الإسلامية ، ولهذا لا يجب الربط بين الحرية الموسيقية والدين،  وتحليل الوضع كما هو، فهذه التعبيرات الموسيقية هي نتاج لمجتمع وبناء ثقافي كما يقول الأنثروبولوجيون أي أنها تبنى انطلاقا مما يصبح متعارف عليه، وله مرغوبية اجتماعية يتفاعل به الشباب ويعبرون بها، ففي لحظة الموسيقى يتم تفجير ذلك والتعبير عنه ويسمى كما ذكرت سلفا بعملية “التطهير”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock