في ظل تسارع وتيرة الحياة الرقمية وتزايد الاعتماد على الوسائط الاجتماعية، أصبحت الفيديوهات القصيرة إحدى أبرز أشكال المحتوى التي تجذب انتباه المستخدمين، خصوصا الشباب والمراهقين. غير أن هذا الانجذاب المتزايد قد تكون له آثار نفسية عميقة تستحق الوقوف عندها. وفي هذا السياق، يقدم الدكتور هشام العفو المتخصص والمعالج النفساني ورئيس رابطة متخصصي الصحة النفسية والعقلية بالمغرب، قراءة تحليلية دقيقة للتأثيرات النفسية الناتجة عن الإفراط في مشاهدة هذا النوع من المحتوى.
يقول الدكتور هشام لعفو إن رقعة وشدة الاستهلاك السلبي لمحتويات الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي قد اتسعت، مما أدى إلى ارتفاع الإفراط في مشاهدة الفيديوهات القصيرة مؤخرًا. وقد يترتب على ذلك تأثيرات نفسية مختلفة، خاصة في السياق المغربي، حيث تتزايد هذه الظاهرة بين الشباب والمراهقين. ويؤكد الدكتور، أن هذه التأثيرات قد تشمل ارتفاع أعراض القلق والتوتر، وتأثيرات سلبية على المزاج، إضافة إلى تدهور العلاقات الاجتماعية، والإحباط، وتدهور الصحة النفسية بشكل عام. وهنا يمكن الإشارة إلى أربعة عوامل أساسية في هذا السياق:
أولا، يوضح الدكتور، أن الإفراط في مشاهدة هذه الأشرطة القصيرة قد يؤدي إلى زيادة مستويات القلق والتوتر، إذ قد يشعر الأفراد بالضغط لمتابعة المحتوى الجديد باستمرار، مما يزيد من حساسية المشاعر والانجذاب. وتزداد المنافسة بين الشباب في مجالات غالبا ما تكون فارغة وعديمة القيمة، ويصبح هذا الضغط أكثر وضوحا من خلال الخوف من فقدان المعلومات أو عدم مواكبة الاتجاهات السائدة، مما يعزز مشاعر عدم الراحة النفسية ويخلق حالة من الإرهاق النفسي.
ثانيا، يرى الدكتور هشام لعفو أن التعرض المفرط للمحتوى السريع قد يزيد من مشاعر الاكتئاب والعزلة، وهو ما أصبح يُلاحظ بشكل كبير في المجتمع المغربي، إذ تلعب العلاقات الاجتماعية دورا محوريا. وقد يشعر الأفراد بالانفصال عن الواقع، مما يؤثر سلبا على مزاجهم. وهذا المحتوى الذي يعرض نماذج مثالية للحياة، مثل الرفاهية والنجاح السريع، يعزز مشاعر الإحباط والفراغ، حيث يقارن الشباب أنفسهم بالآخرين، مما يزيد من شعورهم بالعزلة.
ثالثا، يقول الدكتور إن الإفراط في المشاهدة يؤثر بشكل سلبي على العلاقات الاجتماعية، التي كانت تعتبر بمثابة صمام الأمان. وتعتبر التفاعلات الاجتماعية جزءا أساسيا من الحياة اليومية، لكن الأفراد يقضون وقتا أقل في التفاعل المباشر مع الأصدقاء والعائلة. إذ أن هذا الانفصال قد يؤدي إلى ضعف الروابط الاجتماعية وزيادة الشعور بالعزلة، مما ينعكس سلبا على الصحة النفسية، وقد تصل الأمور أحيانا إلى حدود أكبر قد لا تحمد عقباها.
رابعا، يوضح الدكتور هشام لعفو أن الشعور بالإحباط يتنامى عندما لا يستطيع الأفراد مواكبة المحتوى المتزايد في ظل وجود منصات متعددة تقدم محتويات متنوعة، بعضها قد يكون غير مقبول أو محظور قانونيا. وقد يصبح من الصعب على الشباب المحافظة على الدوافع الحقيقية للحياة وتحقيق أحلامهم، مما يعزز مشاعر القلق والاكتئاب. ويؤثر هذا أيضا على الدافع الشخصي الذي يرتبط غالبا بالإحباط، الذي قد يؤدي بدوره إلى تراجع الأداء في الدراسة أو العمل، مما يزيد من الضغوط النفسية.
يؤكد الدكتور أن الفيديوهات القصيرة يمكن اعتبارها محفزا للإدمان، حيث يحدث هذا الإدمان عندما يصبح الفرد معتمدا على مشاهدة هذه الفيديوهات كوسيلة للهروب من الواقع أو لتخفيف التوتر، أو ربما لتحقيق الذات. وخصوصا عندما يواجه الشباب تحديات اجتماعية واقتصادية ونفسية وأخلاقية، يصبح هذا النوع من المحتوى أكثر جاذبية، مما يسهم في تفشي ظاهرة الإدمان، وربما أصبح ذلك جليا مؤخرا مع انتشار بعض المحتويات الرقمية المخلة بالآداب أو التي تنشر الوهم والأكاذيب.
ويضيف لعفو أن الاستخدام العادي لمشاهدة الفيديوهات، خصوصا بشكل معتدل، قد يكون أمرا طبيعيا أو حتى مفيدا، حيث لا يؤثر ذلك على الأنشطة اليومية أو العلاقات الاجتماعية، وقد يكون وسيلة للتنفيس أحيانا. فالأفراد الذين يستخدمون هذا المحتوى بشكل معتدل غالبا ما يتحكمون في وقتهم، مما يسمح لهم بالتوازن بين الدراسة والعمل والتفاعل الاجتماعي.
ومع ذلك، يحذر الدكتور هشام لعفو من أن هذا الاستخدام قد يتحول إلى حالة إدمان، خصوصا عندما يتسم بالاستغراق في المشاهدة لفترات طويلة أو بعدم التحكم في لحظات الاستمتاع. ويبدأ الأداء في العمل أو الدراسة بالتراجع، حيث يفضل الأفراد، خصوصا المراهقين، قضاء ساعات طويلة في مشاهدة الفيديوهات على القيام بالأنشطة الضرورية. كما يلاحظ هذا التوجه أيضا لدى كبار السن.
أما الذين سقطوا في فخ الإدمان، فقد يشعرون بالقلق أو الاكتئاب عند عدم قدرتهم على الوصول إلى المحتوى، مما يعكس طبيعة الإدمان. ويشير الدكتور إلى أن هذا النوع من الاستخدام يمكن أن يؤدي إلى تدهور العلاقات الاجتماعية، حيث يفضل الأفراد التفاعل الافتراضي على العلاقات الواقعية، وقد يصبح النزوع نحو العزلة والانغلاق بديلا لهم.
كما يوضح الدكتور أن العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية قد تساهم في تعزيز هذا الإدمان، بسبب مجموعة من الاختلالات في التوازن، وذلك مع تزايد استخدام الهواتف الذكية وانتشار الإنترنت، إذ أصبح الوصول إلى المحتوى السريع سهلا للغاية. مما يجعل الشباب أكثر عرضة للضغوط من الوالدين والأقارب، وتعرضهم للتحرش اللفظي والتبخيس، وأيضا المقارنات السلبية. وهنا قد يلجؤون إلى هذه الفيديوهات كوسيلة للهروب من مشكلاتهم اليومية، مما يؤدي إلى تدهور الصحة النفسية، حيث يصبح الأفراد أقل قدرة على التعامل مع الضغوط الحياتية، مما يزيد من استنزافهم النفسي ويؤثر سلبا على جودة حياتهم.
يقول الدكتور هشام إن هذه النقطة تثير الكثير من النقاش، وفيها يتم دق ناقوس الخطر خصوصا من طرف علماء الأعصاب والدماغ. إذ يؤكد العلماء أن الأشرطة القصيرة قد تؤثر بشكل كبير على قدرات الدماغ على التركيز والانتباه والمعالجة الذهنية للمعطيات.
ويشرح الدكتور لعفو أن المحتوى السريع والمكثف قد يساهم في تقليل قدرة الأفراد على التركيز لفترات طويلة، إذ تشير الأبحاث إلى أن التحفيز المتكرر من هذه الفيديوهات يمكن أن يؤدي إلى تشتت الانتباه، مما يجعل من الصعب على الأفراد التركيز على المهام التي تتطلب جهدا ذهنيا مستمرا. وهذا التأثير يظهر في الفصول الدراسية، وأماكن العمل، وحتى في الشارع، حيث يصبح التركيز عاملا أساسيا في مجموعة من الحوادث والمشاكل.
ويضيف أن الدراسات العلمية، مثل تلك التي أجراها مركز “بيو” للأبحاث، تشير إلى أن التعرض المستمر لمحتوى قصير قد يضعف القدرة على معالجة المعلومات بشكل عميق. حيث أظهرت دراسة نشرت في مجلة Psychological Science أن الأفراد الذين يقضون وقتا طويلا في استهلاك المحتوى السريع يميلون إلى تطوير أنماط تفكير سطحية، مما يجعلهم يجدون صعوبة في متابعة المهام التي تتطلب تركيزا عميقا، مثل الدراسة أو القراءة.
ويرى الدكتور هشام لعفو أن هذا النوع من المحتوى قد يؤدي أيضا إلى زيادة مستويات القلق، حيث يشعر الأفراد بأنهم بحاجة إلى التحفيز المستمر، مما يخلق حالة من القلق المرتبط بفقدان المعلومات أو عدم مواكبة المستجدات. كما أظهرت دراسة أجرتها جامعة هارفارد أن الأفراد الذين يستهلكون محتوى سريعا بشكل مفرط يعانون من مستويات أعلى من القلق والاكتئاب، مما يؤثر سلبا على الأداء الأكاديمي والمهني.
ويختم الدكتور هشام لعفو بالقول إن هذا التأثير ينعكس سلبًا على جميع مناحي الحياة، مما يؤثر على شخصية الأفراد، ويجعل الشعور بالقلق والتشتت عاملا مؤثرا على جودة الحياة بشكل عام، حسب تعريف منظمة الصحة العالمية للصحة النفسية.
وانطلاقا من موقعه كمتخصص في علم النفس، يؤكد الدكتور لعفو أن الإفراط في مشاهدة الفيديوهات القصيرة بالشكل الذي نراه ونعاينه قد يكون له تأثيرات نفسية خطيرة، تشمل القلق، التوتر، العزلة الاجتماعية، وتدهور التركيز، وتطور أعراض الاكتئاب، وربما تتسبب في اختلال التوازن الكيميائي للدماغ أيضا. إذ من المهم أن يكون هناك وعي حول هذه التأثيرات، وأن يتم وضع ضوابط لاستخدام هذه المنصات للحفاظ على الصحة النفسية والاجتماعية. ويشدد الدكتور لعفو على أن تعزيز الوعي حول أهمية التوازن في استهلاك المحتوى الرقمي يمكن أن يساعد الأفراد على تحسين تركيزهم وجودة حياتهم.

