آخر أخبارمجتمع

جريمة ابن أحمد تسائل أزمة الصحة النفسية في المغرب بين الإهمال المجتمعي والعجز المؤسسي

استفاق سكان مدينة ابن أحمد بإقليم سطات على وقع جريمة بشعة خلفت صدمة عميقة داخل المجتمع المغربي.

فقد تم العثور على أشلاء بشرية موزعة في عدة أماكن بالمدينة، ليُكتشف لاحقا أن المشتبه به شخص معروف محليا بمعاناته من اضطرابات نفسية حادة، سبق له أن خضع للعلاج بمصحات متخصصة قبل أن يعود إلى محيطه دون متابعة طبية دقيقة. هذه الواقعة أعادت إلى الواجهة إشكالية الصحة النفسية في المغرب، وأظهرت هشاشة البنيات المؤطرة لهذا المجال الحساس، وضرورة إعادة النظر في آليات التكفل والمتابعة.

تشير معطيات وزارة الصحة والحماية الاجتماعية المغربية، الصادرة سنة 2023، إلى أن المغرب يتوفر فقط على حوالي 450 طبيبا نفسيا، ما يعني طبيبا واحدا لكل 82 ألف نسمة تقريبا، وهو معدل بعيد عن توصيات منظمة الصحة العالمية التي تقترح طبيبا واحدا لكل عشرة آلاف شخص. ولا تتجاوز الطاقة الاستيعابية الإجمالية لمستشفيات الأمراض النفسية 2430 سريرا على المستوى الوطني، رغم تزايد معدلات الإصابة بالاضطرابات النفسية بشكل مطرد، حيث أظهرت دراسة للمعهد الوطني للصحة العامة أن نحو 48 بالمئة، من المغاربة تعرضوا لمشاكل نفسية متفاوتة الحدة خلال حياتهم.

تفتقر أغلب المناطق القروية ونصف الحضرية إلى بنية أساسية متخصصة في معالجة الأمراض العقلية، حيث تتركز غالبية المصحات والمراكز النفسية في مدن كبرى مثل الدار البيضاء، الرباط وفاس. ووفق تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي لسنة 2022، فإن الإنفاق الحكومي على الصحة النفسية لا يتجاوز 2 بالمئة  من الميزانية العامة المخصصة للصحة، وهي نسبة متدنية جدا مقارنة بمتوسط 5 إلى 10 بالمئة في الدول المتقدمة.

في سياق متصل، يعاني النظام المغربي من غياب آلية فعالة للربط بين مؤسسات العلاج النفسي والسلطات الأمنية أو القضائية، مما يسمح للحالات الخطرة بالخروج إلى المجال العام دون مراقبة أو تتبع. كما أن القانون رقم 71-13 المتعلق بالصحة العقلية، رغم أنه يشترط موافقة طبية مزدوجة على إدخال المرضى النفسيين قسرا للمؤسسات العلاجية، إلا أن تطبيقه يظل محدودا بسبب ضعف الموارد البشرية، والإمكانيات التقنية، ونقص الوعي القانوني لدى الأسر.

جريمة ابن أحمد ليست حدثا معزولا، بل تعبير فج عن اختلالات عميقة تراكمت عبر عقود من غياب الاستثمار الجاد في الصحة النفسية. فالعجز عن التكفل بالحالات المزمنة، وغياب استراتيجيات وقائية فعالة، بالإضافة إلى القصور في التنسيق بين القطاعات المعنية، كلها عوامل أدت إلى انفجار مأساوي كشف أن تجاهل الصحة النفسية لم يعد مقبولا في مغرب اليوم.

اظهر المزيد

Rissala 24

مدخل الخبر اليقين
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock