آخر أخبارحديث الأربعاءرأي

 تغيير المسار دون تأخير

في تقريره التقليدي السنوي عن تطورات ومستجدات وضع النزاع المفتعل حول الصحراء،  والذي رفعه السيد أنطونيو غوتيريش الأمين العام الأممي إلى الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تم تجديد التأكيد على مرجعية واحدة ووحيدة للتوصل إلى حل سياسي دائم وعادل وواقعي بغية تسوية النزاع، وهي المفاوضات بين أطراف النزاع تحت الرعاية الأممية الحصرية، وبوساطة المبعوث الشخصي للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، وبدعم من المجتمع الدولي، وإذا ما نظرنا إلى آلية هذه المفاوضات التي أقرها وأرساها المنتظم الأممي ومجلس الأمن، منذ اقتراح المغرب لمبادرة الحكم الذاتي، فإنها لا تخرج عن الموائد المستديرة التي تضم الأطراف الأربعة المقرر أمميا مشاركتها فيها، وهي الجزائر والمغرب وموريتانيا وجماعة بوليساريو، حيث تقرر منذ تعيين السيد ديميستورا الممثل الشخصي للأمين العام الأممي، على أن تكون مهمته الأساس في اتجاه تيسير استئناف هذه الموائد المستديرة، ودفع الأطراف المعنية للجلوس إليها، وبحث الحل السياسي السلمي والنهائي والواقعي، ثم التوافق حوله. الأمر الذي يعني أن المسار السياسي قد حدد ورسم بصفة نهائية في اتجاه القطع مع كل المقاربات والمقترحات المنحبسة التي أنهتها التقارير الأممية اللاحقة واستبعدتها، بما فيها خيار الاستفتاء العقيم والموصوف أمميا وواقعيا بالمستحيل، بالنظر إلى إغراقه في خروقات شملت أول ما شملته تعذر تحديد هوية الهيئة الناخبة خصوصا في المخيمات التي تضم خليطا من الوافدين على منطقة النزاع ومختلطي الجنسيات ومزوريها.

هذه التفاصيل التي لم تعد لا منظمة الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن ولا بعثة المينورسو تذكرها أو تطرحها ضمن مهامها، وأغلقت بصفة نهائية أي حديث عن استعادتها كخيار قابل للاستئناف والعودة إليها، عبر الفقرات التي ما فتئت تضمنها في تقاريرها وتوصياتها، ألا وهي “الأخذ بعين الاعتبار التطورات الأخيرة الحادثة في ملف النزاع” ميدانيا ودوليا، ومختصر هذه التطورات متضمنة كذلك وبوضوح كامل في تقارير إحاطة الأمين العام الأممي، ومنها هذا التقرير الأخير، في إفادته أن ثمة أوضاعا إنسانية متدهورة وخطيرة ومزرية تعيشها ساكنة المخيمات جراء استمرار احتجازها في مسار قديم منحبس من التعويل على وهم الانفصال، وعلى مساعدات إنسانية لا تحتمل استمرار ابتزازها لأزيد من نصف قرن يواصل فيه المبتزون التمسك بالمسار المسدود والمغلق، الذي يجنون منه تجارة مربحة. ويفيد التقرير أيضا بأن الدينامية الدولية التي يشهدها المسار الجديد الداعم للحل الواقعي والنهائي والجدي يتمثل بالخصوص في تواصل وتزايد الدعم الدولي للحل السياسي على أساس مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية في إطار السيادة المغربية، ومن بين ما التقطه تقرير غوتيريش السنوي أن السنة التي يشملها التقرير افتتحت في يوليوز 2024 بالاعتراف الفرنسي الوازن بمغربية الصحراء، وبكون مخطط الحكم الذاتي الأساس الوحيد والأوحد لتحقيق حل سياسي عادل ودائم للنزاع، واختتمت السنة التي يشملها التقرير في شهر يونيو 2025 وبالضبط في الفاتح منه، بالبيان المشترك الصادر عن المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلاندا الشمالية والمغرب أعلنت فيه المملكة المتحدة أنها تعتبر خطة الحكم الذاتي الأساس الأكثر واقعية ومصداقية وقابلية للتطبيق والتنزيل من أجل حل دائم للنزاع.

وفي هذا الإطار وبناء على هذا العد التصاعدي للاعترافات بمغربية الصحراء، شاء من شاء وتأول من تأول وأبى من أبى، يوصي غوتيريش بدعم مبعوثه الشخصي من أجل ماذا؟ من أجل الانخراط في هذا المسار من دعم التوصل إلى حل سياسي، والدفع بالعملية السياسية قدما وبشكل بناء. فماذا يعني هذا الخيط الرفيع الرابط بين افتتاح سنة التقرير بالدعم الفرنسي الواضح والنهائي لخطة الحكم الذاتي، واختتامها بالدعم البريطاني للخطة نفسها، وقبلهما سبق لتقارير إحاطة الأمين العام الأممي في السنوات الفارطة أن أشار لاعترافات دول وازنة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وإذا كانت تقارير الأمين العام لم تشر إلى كل الدول التي تأتي تباعا إلى كرسي الاعتراف، سواء من أوروبا أو أمريكا اللاتينية أو إفريقيا أو آسيا، فإنها اكتفت بالدول المؤثرة الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن، والتي ستجعل التوصل إلى حل سياسي للنزاع المفتعل، على أساس مخطط الحكم الذاتي حقيقة وواقعا، سينهي إلى غير رجعة نصف قرن من المماطلة والمساومة والابتزاز والاستفزاز والتلويح بالحرب والإرهاب الذي تقوده دولة واحدة ووحيدة في العالم وفي المنطقة هي دولة العصابة الحاكمة في الجزائر، من أجل تحقيق حلم خاص مستحيل بتمزيق المغرب وتسليط الانفصال والإرهاب عليه، وما عداها من الدول المتبقية التي تلف في معسكرها وتأكل من ثرواتها وصحنها، تسايرها فقط في مشروعها الانفصالي وأجندتها الداخلية، إلى حين انقطاع الأمل والمدد من العصابة، وإلا فإنه في قرارة نفسها لا يصح بالفعل إلا الانخراط في مسار التعاون المغربي الدولي على إنهاء النزاع على أساس الاحترام التام للسيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية، والتجاوب مع المقترح الذي تقدم به المغرب بنبل وشجاعة وحكمة لتمكين هذه الأقاليم من حكم ذاتي في إطار سيادته التاريخية والقانونية، التي تشهد بها كل وثائق الأرض والجغرافيا، ووشائج وروابط ساكنة هذه الأقاليم مع باقي ساكنة أقاليم المملكة.

ورغم التفاصيل المملة أحيانا والمؤسفة أحيانا التي أشار إليها التقرير السنوي لغوتيريش في إطار ضمان حد أدنى من التوازن والحياد الديبلوماسي مع أطراف النزاع، والتي قد نتفق معه فيها أو نختلف، فإن تأطير التقرير بحدثين جديدين كبيرين ووازنين ومؤثرين افتتح أحدهما السنة (الاعتراف الفرنسي في يوليوز 2024) واختتمها الآخر(الاعتراف البريطاني في يونيو 2025) هو ما دفع السيد غوتيريش للتعبير عن أمله في المسار الجديد الذي يتجه إليه حل النزاع، ومن ثمة القول بأنه من الممكن الوصول إلى حل سياسي، وبالتالي تسريع وتيرة تسوية النزاع. ولو لم يكن الأمر كذلك ما شدد الرجل على اعتبار التفاوض على حل سياسي أكثر ملحاحية من أي وقت مضى مع اقتراب الذكرى الخمسين على اندلاع النزاع، الأمر الذي يعني أن المسار المسدود الذي أوصلت إليه العصابة مشروعها الانفصالي، يقابله مسار جديد مفتوح تتحول إليه الاتجاهات والأنظار، بل ويلجه المجتمع الدولي بكل أمل وثقة في إنهاء نزاع نصف قرن لم يكسب فيه أعداء المغرب أو من نصبوا أنفسهم أوصياء على أبناء الصحراء المغربية، شبرا من الحقائق الدامغة على الأرض، وبالمقابل شاهت وجوههم وخابت مساعيهم، ولا ينفعهم أن يقلبوا، كما عهدناهم، حقائق التقارير الأممية، ويتأولوا بعض تفاصيلها غير ذات الأهمية، بادعاء أنها ضربات موجهة للعدو المغربي، فالمسار القادم الذي يشي به تقرير غوتيريش السنوي بكل وضوح، لمن أوتي قدرا من الفهم والحكمة والإدراك، هو الأخذ بعين الاعتبار للمستجدات والتطورات في الساحتين الإقليمية والدولية التي تجعل من الحكم الذاتي ضمن السيادة المغربية الإطار الوحيد والأوحد لبحث حل سياسي دائم وعادل للنزاع، يدعمه الزخم الدولي المتسع من تقرير إلى آخر، ومن اعتراف إلى آخر بمغربية الصحراء من الأطراف الدولية، خصوصا منها تلك الأطراف المعنية اللاعبة والشريكة أمس في الحرب على المغرب وعلى وحدته الترابية، والشريكة اليوم في تغيير مسار حرب الانفصال إلى مسار الاعتراف بواقع الحال، وتنزيل الحكم الذاتي، والانخراط طوعا أو كرها في مسار السلام، وإنهاء نصف قرن من مؤامرة الصمت والجمود وإطالة النزاع بدون جدوى ولا فائدة تذكر.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock