آخر أخباردراسةمستجدات

التوحد غير المشخص يطارد كبار السن ويهدد صحتهم وجودة حياتهم

في العقود الأخيرة، ارتفعت معدلات تشخيص اضطراب طيف التوحد بشكل ملحوظ، مما أثار تكهنات بأن هذه الحالة قد تكون جديدة أو مرتبطة بعوامل بيئية معاصرة. غير أن مراجعة شاملة للأبحاث الحديثة تقلب هذه الفرضيات رأسا على عقب، إذ تكشف أن التوحد لم يكن يوما مقتصرا على الأجيال الجديدة، بل يمتد عميقا إلى صفوف البالغين وكبار السن، حيث يعيش معظمهم دون تشخيص رسمي أو دعم مناسب.

دراسة صادرة عن جامعة كينغز كوليدج لندن، نشرت في “Annual Review of Developmental Psychology”، أظهرت أن ما يقارب 90 بالمائة من البالغين المصابين بالتوحد ممن تجاوزوا الأربعين عاما لم يحصلوا على تشخيص طبي، فيما ترتفع النسبة إلى 97 بالمائة لدى من هم فوق الستين. هذه الأرقام تكشف واقعا صادما: تسعة من كل عشرة مسنين مصابين بالتوحد يعيشون حياتهم دون أي اعتراف رسمي بحالتهم، ما يفاقم معاناتهم الصحية والاجتماعية.

مخاطر صحية ونفسية مضاعفة

تظهر الأبحاث أن البالغين المصابين بالتوحد أكثر عرضة للإصابة بالخرف المبكر بأربعة أضعاف مقارنة بغيرهم، كما أن احتمالات إصابتهم بالأفكار الانتحارية تزيد بستة أضعاف. ويسجل متوسط أعمارهم أقل بست سنوات من أقرانهم غير المصابين. ويؤكد الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور “جافين ستيوارت”، أن غياب التشخيص يحرم هذه الفئة من الدعم والرعاية ما يزيد من تعرضهم للعزلة الاجتماعية وتدهور الصحة الجسدية والنفسية.

إلى جانب ذلك، يعاني كبار السن المصابون بالتوحد من معدلات أعلى للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، واضطرابات الجهاز الهضمي، وأمراض المناعة الذاتية، بالإضافة إلى أمراض الشيخوخة مثل هشاشة العظام، التهاب المفاصل ومرض باركنسون.

 فجوة عالمية في التشخيص

ورغم أن الدراسة تركز على المملكة المتحدة، إلا أن الظاهرة ليست محصورة بها. ففي الولايات المتحدة، تشير بيانات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى أن طفلا واحدا من كل 150 مولودا عام 1994 حصل على تشخيص بالتوحد، بينما ارتفعت النسبة إلى واحد من كل 31 طفلا ولد عام 2014. ورغم هذا التحسن في التشخيص بين الأجيال الجديدة، يبقى كبار السن إلى حد كبير خارج دائرة الإحصاءات الرسمية.

ويعود ذلك إلى كيفية تعريف التوحد تاريخيا؛ إذ كان يعرف في القرن العشرين تحت مسمى “التوحد الطفولي”، غالبا ما يربط بالإعاقة الذهنية ويركز على الذكور. ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، توسعت معايير التشخيص لتشمل طيفا أوسع من الحالات، مما أدى إلى زيادة ملحوظة في الأعداد المشخصة لا بفعل زيادة الحالات الجديدة وإنما بسبب تحسين الوعي وتطوير أدوات التقييم.

تحديات اجتماعية ومعيشية

توضح الدراسة أن غياب التشخيص لا يؤثر فقط على صحة الأفراد، بل يمتد ليشمل حياتهم اليومية. فكبار السن المصابون بالتوحد يواجهون صعوبات إضافية في الحصول على الرعاية الصحية، إذ تظل الخدمات الطبية والاجتماعية مركزة على الأطفال. كما أنهم يواجهون مشكلات أكبر في سوق العمل وفي بناء العلاقات الاجتماعية، ما يزيد من عزلة هذه الفئة مع التقدم في العمر.

وترى البروفيسورة فرانشيسكا هابي، الباحثة المشاركة في الدراسة، أن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في تطوير مقاربة شمولية قائمة على مدى الحياة. وقالت: “مع تقدم المصابين بالتوحد في السن، تتغير طبيعة التحديات التي يواجهونها. يجب أن نعيد النظر في سياسات الرعاية الصحية والدعم الاجتماعي، وأن نخصص تمويلا للأبحاث طويلة الأمد لتلبية احتياجات هذه الفئة”.

اظهر المزيد

Rissala 24

مدخل الخبر اليقين
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock