أكد جلالة الملك في خطابه الأخير على أن التحول الرقمي يشكل رافعة استراتيجية أساسية لتعزيز فعالية السياسات العمومية بالجماعات الترابية، مشددا على أن: “التحول الكبير الذي نسعى إلى تحقيقه على مستوى التنمية الترابية يتطلب تغييرا ملموسا في العقلية وفي طريقة العمل، وترسيخا حقيقيا لثقافة النظام والنتائج”. ويبرز هذا التوجيه الملكي أهمية الرقمنة ليس فقط كأداة تقنية، بل كآلية شاملة لإعادة هيكلة الأداء الإداري، وتسهيل تقديم الخدمات للمواطنين، وضمان استمرارية الجودة والنتائج، مع ترشيد الموارد وتحقيق فعالية أكبر للمؤسسات الترابية.
في هذا الحوار، يتناول سليمان العمراني، الباحث في قضايا التحول الرقمي وإصلاح الإدارة، دور الرقمنة في تحسين فعالية السياسات العمومية بالجماعات الترابية، أبرز التحديات التي تواجه الإدارات المحلية، وآليات إشراك المواطنين في مراقبة الأداء وضمان الشفافية، مستعرضا تجارب وطنية وعالمية يمكن أن تشكل نماذج يحتذى بها.
أشار الخطاب الملكي بوضوح إلى أن التحول المنشود في التنمية الترابية يتطلب تغييرا ملموسا في العقلية وفي طريقة العمل. كيف يمكن للرقمنة أن تساهم في تحسين فعالية تنفيذ السياسات العمومية داخل الجماعات الترابية تحديدا، وفي أي سياق وطني ودولي نضع هذا التحول؟
بالفعل، يجب أن نعود إلى الخطاب الملكي الذي أشار إلى أن التحول الكبير الذي نسعى إليه على مستوى التنمية الترابية يتطلب ترسيخا حقيقيا لـ “ثقافة النتائج” وتغييرا في العقلية وطريقة العمل. لكن قبل ذلك، لا بد أن نذكر بما ورد في خطاب العرش سابقا، بأن المغرب يسير بسرعتين في مجال التحول الرقمي للمرافق العمومية. ففي الوقت الذي نجحت فيه بعض المؤسسات والإدارات الحكومية في تحقيق إقلاع رقمي، يهيمن على المشهد المؤسساتي ضعف في الأداء الرقمي، وعلى رأس هذه المرافق نجد للأسف الجماعات الترابية التي لم تحقق بعد الإقلاع التنموي الرقمي المطلوب.
فتنفيذ السياسات العمومية للجماعات الترابية يتم عبر آليات عدة أهمها:
– ترشيد الجهود العمومية: الرقمنة تساهم بشكل مقدر في ترشيد الجهود، إذ أن إنتاج الخدمة يكلف الإدارة بشريا وماليا وتقنيا. لكن استعمال الرقمنة يقلص هذا الجهد المطلوب بشكل كبير. فبالرغم من الاستثمار المالي في التكنولوجيا، إلا أن العائد يكون مهما جدا في المحصلة العامة، حيث تتولى الإدارات توفير الخدمات عن بعد، وتوجه موظفيها نحو المهام الأساسية والعميقة بدلا من انشغالهم بمهام روتينية يمكن أن يوفرها الذكاء الاصطناعي والرقمنة.
– تخفيف العبء على المرتفقين: الرقمنة تخفف العبء على المواطن “المرتفق” الذي يتلقى الخدمة عن بعد دون تكلف عناء التنقل، أو إضاعة الوقت، أو الوقوف في طوابير طويلة، مما يوفر عليه الجهد المالي والبدني. وبالمقابل، تستفيد الإدارة بتوجيه موظفيها إلى مهام أخرى ذات أهمية أكبر.
– تسريع تقديم الخدمة العمومية: المرتفق يتوخى الحصول على الخدمة بالسرعة الممكنة، والتي لا تقبل الانتظار أياماً، بل تحتاج إلى أن توفر في حجم زمني محدود جداً، قد يصل إلى دقائق معدودة. الرقمنة تحقق ذلك بامتياز، خاصة عند مقارنتها بالخدمة الحضورية التي تتضمن وقت التنقل والانتظار، وربما قد يطلب من المواطن العودة لاحقا.
– توفير الخدمة على مدار اليوم والأسبوع: الرقمنة تعين في توفير الخدمة العمومية على مدار الـ 24 ساعة طوال أيام الأسبوع (7/24) دون توقف. لا يضطر المرتفق لانتظار يوم العمل، بل يمكنه الحصول على الخدمة في أي ساعة من الليل أو النهار، خلافا للخدمة الحضورية المرتبطة بساعات الدوام الرسمية وأيام العطل.
على الرغم من الإيجابيات الكبيرة التي ذكرتموها، ما هي أبرز التحديات والعوائق التي تواجه الإدارات المحلية والجماعات الترابية على وجه الخصوص في اعتماد هذا التحول الرقمي الجذري؟
التحديات التي تواجه الإدارات المحلية في هذا السياق كبيرة وأساسية، وتشكل “عطبا مقلقا ومثيرا للانشغالات”.
– تحدي الإرادة السياسية: عندما قلنا إن الجماعات الترابية تسير بسرعة بطيئة في التحول الرقمي، يعود جزء كبير من السبب إلى غياب الإرادة السياسية لدى الفاعلين المحليين المنتخبين. هؤلاء لا يعبئون الوسائل والإمكانات الكافية لنجاح جماعتهم في هذا التحول العميق، رغم توفر مقومات الدعم والإسناد المركزي والإمكانات التقنية.
– التحدي البشري : لا يمكن تصور نجاح التحول الرقمي دون إمكان بشري مؤهل. هنا يظهر وجهان للجماعات الترابية، هناك جيل الشباب الموظف المقتنع بالرقمنة، وهو جزء من الحل لكن في المقابل، هناك جيل آخر من الموظفين نشأ وتآلف مع الأدوات التقليدية، فينخرط في أساليب المقاومة والممانعة لهذا النمط الجديد من الاشتغال. ما لم ينجح المسؤولون المحليون والوزارة الوصية في معالجة هذا الوضع، سنظل أمام قيادة ضعيفة للتغيير.
– تحدي الجودة: لإقناع المرتفق باستعمال الخدمة الرقمية، لا بد أن تتصف هذه الخدمات بالجودة المطلوبة وبالمعايير المعلومة. ما لم تتحقق الجودة، لن يكون لدى المرتفق القناعة بالاقتناع بها والاستفادة منها.
– تحدي “ثقافة النتائج”: أشار الخطاب الملكي إلى ثقافة النتائج، وهذا إشكال حقيقي. يجب أن ينصب انشغال الجماعات الترابية بالنتائج المتولدة عن تلك السياسات والجهود، وبالأخص مدى رضا المرتفق، الذي هو المستهدف الأول والأخير.
– التحدي التشاركي: لا يقبل من الجماعات الترابية أن تقوم بمهامها وتعبئ الوسائل دون أن يكون لديها هاجس إشراك المرتفقين والتشاور معهم في تصميم الخدمات، وتطويرها، وتقييمها. المرتفق لم يعد ذلك “المواطن الخاضع”، بل أصبح “زبونا” يجب السعي لإرضائه والاستجابة لحاجاته. المقاربة التشاركية هي مدخل أساسي لبناء ثقة المرتفقين في المرافق العمومية، ويجب تفعيلها فعلا بعيدا عن الموسمية والشكلانية.
تحدي تسويق وتواصل الخدمات: مهما نجحت الجماعة في رقمنة خدماتها، يبقى عليها بذل جهد مقدر للتعريف بهذه الخدمات وتسويقها لدى المرتفقين عبر مختلف القنوات، سواء الرقمية “المواقع الإلكترونية، شبكات التواصل الاجتماعي” أو حتى التسويق المباشر “المطويات والدلائل”.
– التحدي التقني: على المسؤولين والمنتخبين تعبئة الإمكانات المادية والمالية اللازمة لتجهيز إداراتهم تقنيا بالبنى التحتية المطلوبة.
في سياق التحول الرقمي، كيف يمكن للمواطنين المشاركة بفعالية في مراقبة نتائج هذا التحول وضمان أعلى مستويات الشفافية في الخدمات العمومية المحلية؟
للمواطنين دور محوري في هذه العملية، ويمكن تلخيصه في سبعة عناوين أساسية:
– تثمين الجهد العمومي باستعمال الخدمات: ينبغي على المرتفقين استعمال الخدمات العمومية الرقمية المتوفرة لهم، وهذا في حد ذاته تثمين للجهد العمومي المبذول.
– تقليص التواصل المباشر: يتعين على المرتفق عدم اللجوء إلى التواصل المباشر مع الموظفين إلا عند الضرورة القصوى ما دامت الخدمة متوفرة تقنيا عن بعد. فبقدر ما ننجح في تقليص التواصل المباشر بين المرتفق والموظف، بقدر ما ننجح في محاربة ممارسات الفساد والرشوة، وهو ما نجحت فيه دول عديدة.
مراقبة أداء المنتخبين: على المواطنين تفعيل دورهم في مراقبة أداء المنتخبين محليا ووطنيا لضمان توفيرهم للخدمة المرفقية.
– تفعيل الديمقراطية التشاركية: يتيح الدستور للمواطنين المشاركة في صناعة القرار العمومي عبر توجيه العرائض والملتمسات والمشاركة في اللجان. هذه القنوات مهمة لتقييم السياسات العمومية، سلباً وإيجاباً، وتقديم الملاحظات والاقتراحات.
– حضور دورات المجلس الترابي: حضور المواطنين دورات المجلس الجماعي الترابي هو شكل من أشكال المراقبة المباشرة.
– المشاركة الفاعلة في الاستشارات العمومية: على المواطن الإيجابي المشاركة بفعالية في الاستشارات العمومية التي تفتحها المرافق بشأن سياساتها وخدماتها، وتقديم رأيه وتقييمه ومقترحاته، مما يساعد في نهاية المطاف على تطوير السياسات.
– الانتظام في الولوج والتفاعل الرقمي: يتعين على المواطن الانتظام في الولوج إلى المواقع الرسمية للجماعات الترابية ومنصات التواصل الاجتماعي والمشاركة بآرائه، ونقد البناء، ونقل المعاناة، وتقديم الاقتراحات؛ فكلها مداخل مهمة للإيجابية المطلوبة.

