أعادت حادثة وفاة رضيعة داخل إحدى دور الحضانة بمدينة طنجة، بعد تعرضها لاعتداء من طفلة في الثامنة من عمرها، النقاش حول واقع مؤسسات الرعاية المبكرة، ومسؤولية الجهات المعنية في حماية الأطفال وضمان سلامتهم الجسدية داخل هذه الفضاءات.
وفي هذا السياق، اعتبرت الأستاذة سميرة أوطالب، المحامية بهيئة فاس ونائبة رئيس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، في تصريح ” لرسالة 24″ أن الواقعة تمثل “انتهاكا صارخا للحق في الحياة والسلامة الجسدية للطفل”، مؤكدة أن المنتدى ينظر إليها من منظور يستند إلى ثلاث مرجعيات متكاملة: المرجعية الدولية لحقوق الإنسان كما تقرها المواثيق الأممية، والمرجعية الإسلامية التي تعلي من كرامة الإنسان، والمرجعية الوطنية التي نص عليها الدستور المغربي.
وأوضحت أوطالب أن ما جرى داخل مؤسسة يفترض أن تكون فضاء للحماية والرعاية، يكشف إخلالا خطيرا بمسؤولية الدولة والمؤسسات المشرفة عن ضمان شروط السلامة داخل دور الحضانة، مؤكدة أن الحادث يعكس غيابا فعليا لآليات الوقاية والمراقبة المنتظمة.
وأضافت أن الحق في الحياة مكرس في المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فضلا عن اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها المغرب سنة 1989، والتي تلزم الدول باتخاذ جميع التدابير التشريعية والإدارية لحماية الأطفال من العنف والإهمال والاستغلال.
وبشأن الثغرات القانونية والتنظيمية التي تكشفها الواقعة، أشارت رئيسة منتدى الكرامة إلى أن القانون رقم 40.04 المنظم لدور الحضانة يعاني من ضعف في الردع، إذ يكتفي بغرامات مالية محدودة تتراوح بين ألف وخمسة آلاف درهم عند فتح مؤسسة دون ترخيص، وبين ألف وألفي درهم في حال استقبال أطفال دون السن القانونية، دون أن يتضمن عقوبات زجرية واضحة تخص انتهاك السلامة الجسدية أو الصحية للأطفال. وأضافت أن النص القانوني لم يول الاهتمام الكافي لمقتضيات الحماية الوقائية أو للمعايير التقنية والطبية داخل المؤسسات، كما أن التفتيش والمراقبة الميدانية ما تزال محدودة وضعيفة الفعالية.
وأبرزت أوطالب أن المشكل لا يقتصر على الجانب القانوني، بل يشمل أيضا ضعف المراقبة المؤسسية، إذ ينص المرسوم التطبيقي على أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل هي المسؤولة عن المراقبة التربوية والإدارية، غير أن العديد من المؤسسات لا تلتزم بالمعايير القانونية أو الطاقة الاستيعابية، بينما تبقى مؤهلات المربين والمربيات في عدد كبير منها غير كافية. كما نبهت إلى التداخل في الاختصاصات بين الوزارات، مشيرة إلى أن قطاع الطفولة المبكرة بطبيعته تربوي ويجب أن يخضع لإشراف وزارة التربية الوطنية، وليس وزارة الشباب والثقافة، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف التنسيق وضبابية في تحمل المسؤوليات.
وفي ختام حديثها، شددت نائبة رئيس منتدى الكرامة على ضرورة مراجعة شاملة للإطار القانوني والتنظيمي الخاص بمؤسسات رعاية الطفولة المبكرة، معتبرة أن الإصلاح ينبغي أن يقوم على أسس واضحة، أبرزها توحيد الجهة الحكومية المكلفة بالمراقبة والتأطير، ووضع معايير إلزامية صارمة للأمن والسلامة داخل دور الحضانة، وتأهيل العاملين تكوينا بيداغوجيا ونفسيا يضمن التعامل السليم مع الأطفال، إلى جانب تفعيل المراقبة الدورية وربط الترخيص بزيارات تقييم منتظمة، مع فرض عقوبات واضحة في حالات المخالفة.
واختتمت الأستاذة سميرة أوطالب حديثها بالتأكيد على أن حماية الأطفال ليست مجرد التزام قانوني، بل واجب وطني وأخلاقي، مشددة على أن الدولة مطالبة بضمان حق كل طفل في الحماية والرعاية والنماء داخل بيئة آمنة تحفظ كرامته وإنسانيته.

