في ظل الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة، أصبح من الضروري تسليط الضوء على الدور الحيوي للمرأة الصحراوية في مختلف المجالات، سواء على مستوى التربية، التنمية الاقتصادية، أو الدفاع عن الوحدة الوطنية. ومن هذا المنطلق، أجرت “رسالة24 ” حوارا مع الحقوقية الصحراوية” أمينة التوبالي، لتشارك رؤيتها وتجربتها حول مشاركة المرأة في مسيرة التنمية، والحفاظ على الهوية الوطنية، والمبادرات النسائية التي تعزز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في المنطقة، فضلا عن دورها في الدبلوماسية الموازية.
ما الرمزية التي تحملها مشاركة النساء في ملحمة المسيرة بالنسبة للوحدة الوطنية؟
إن مشاركة المرأة المغربية في المسيرة الخضراء كانت ذات دلالة كبيرة ورمزية قوية. ففي عام 1975، كان هناك وعي عميق لدى النساء بضرورة المشاركة إلى جانب إخوانهن الرجال، خاصة في ظل الظروف التي كانت تسيطر فيها الدوكورية على مجالات عدة مثل التعليم والعمل. لقد أظهرت المرأة حضورها القوي، إذ لم تقتصر أدوارها على البيت والمسجد كما كان الحال في زمن المقاومة، بل خرجت لتكون إلى جانب الرجل، وأدت أدوارا جماعية كبيرة، فبعض النساء شاركن كممرضات، وكن يقدمن الدعم اللوجستي، مثل إعداد الطعام للمشاركين، لضمان نجاح العملية بشكل مشترك مع الرجال، والحفاظ على الأمن والسلام أثناء المسيرة. وقد كانت الأدوات والمهام التي اضطلعت بها المرأة تقريبا مماثلة لتلك التي قام بها الرجال، وهو ما أعطى مشاركتها دلالة قوية على الشراكة الحقيقية والمساهمة الفاعلة في مغامرة وطنية جسدت الوحدة الوطنية والشجاعة المغربية.
كيف حافظت المرأة الصحراوية على قيم الوطنية والانتماء في الأقاليم الجنوبية عبر الأجيال؟
لا تختلف المرأة الصحراوية عن نظيرتها المغربية في أدوارها داخل الأسرة والمجتمع، فهي تضطلع، مثلها، بدور أساسي في التربية وغرس قيم المواطنة واحترام الوطن وتحمل المسؤولية. ومنذ استرجاع الأقاليم الجنوبية من الاستعمار الإسباني، سعت المرأة الصحراوية إلى أداء أدوار جديدة، إذ انتقلت من بيئة كانت متأثرة بالطابع الإسباني إلى بيئة مغربية خالصة، وحاولت الاندماج والتأقلم مع هذا التحول، خاصة وأن الصحراء كانت في البداية تضم ساكنة محلية محدودة، قبل أن تعرف منذ سبعينيات القرن الماضي توافد مواطنين من مختلف مناطق المغرب، من الشمال والريف ووسط البلاد ومدنه الكبرى، مما ساهم في خلق انسجام ثقافي واجتماعي متنوع. وقد كان للمرأة الصحراوية دور محوري في تربية أبنائها تربية إيجابية تعزز ارتباطهم بالهوية المغربية. كما كانت في فترة الاستعمار الإسباني تتواصل مع أبناء القبائل الصحراوية في مختلف مناطق المغرب، خصوصا خلال فترات الجفاف والشدائد التي عرفتها الصحراء، حيث برزت قيم التضامن والتعاون بين المغاربة جميعا.
ما موقع المرأة الصحراوية اليوم في دينامية التنمية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية؟
حاليا، أؤكد أن حضور المرأة اليوم أصبح جزءا أساسيا من مسار التنمية. نحن نحضرها في الأقاليم الجنوبية، ونراها حاضرة في مختلف المجالات والقطاعات، بما في ذلك المجال الرقمي. المرأة اليوم تلمس البنية التحتية وتشارك فيها، وقد دخلت المدرسة وتابعت دراستها الجامعية سواء في شمال المغرب أو خارجه، وأصبحت فاعلة ومؤثرة في النسيج الاقتصادي المحلي. كما ألاحظ أن النساء اقتحمن بقوة القطاع الخاص، إذ يملكن مشاريع تجارية وتعاونيات ويساهمن في تنشيط الاقتصاد المحلي والاجتماعي بشكل لافت، خصوصا إذا ما تذكرنا أن المرأة في الصحراء، في فترات سابقة، لم تكن تعمل، وكان المجتمع ينظر إلى عملها نظرة سلبية. أما اليوم، فقد تغير هذا المفهوم، وأصبحت المرأة تسعى إلى الاستقلال المادي، وتعمل بجد لتؤكد حضورها ودورها الفاعل في التنمية.
كيف استطاعت المرأة في الصحراء المغربية أن توازن بين المحافظة على الموروث الثقافي والمشاركة في مشاريع الحداثة والتنمية؟
لم تختلف المرأة الصحراوية في دورها عن المرأة المغربية في التربية وغرس قيم المواطنة. منذ استرجاع الأقاليم الجنوبية، حاولت التأقلم مع التحول من بيئة مستعمرة إلى بيئة مغربية، مع الحفاظ على تربيتها لأبنائها بطريقة تعزز هويتهم المغربية. فقد ساعدت النساء في بناء جيل واع بالانتماء الوطني، رغم الظروف المعيشية الصعبة وغياب بعض المؤسسات الحكومية لفترات طويلة.
ما هي أبرز المبادرات النسائية المحلية التي تساهم في إنعاش الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بالمنطقة؟
شهدت المبادرة النسائية المحلية في الاقتصاد الجماعي بمنطقة الثوب أغمان، بمنطقة الشمال الشرقي للصحراء، تأثيرا كبيرا على التنمية المحلية، لا سيما في مجال صناعة الكوسكوس، حيث حاولت التعاونيات تطوير الإنتاج التقليدي إلى مصانع صغيرة لإنتاج الكوسكوس، بالإضافة إلى مبادرات أخرى تهدف لدعم التعاونيات المتخصصة بهذا القطاع. كما أصبحت هذه المبادرات النسائية حاضرة في المعارض الوطنية والدولية، مثل برلين وأبوظبي، ما أتاح للمنتجات المحلية فرصة الترويج على المستوى العالمي. وقد أقيمت مهرجانات ومعارض خاصة بالأغذية لتسليط الضوء على الصناعات المحلية، بما في ذلك الحلوى الصحراوية والعطور التقليدية والبخور، إضافة إلى الصناعات التقليدية الأخرى. وشاركت النساء بشكل فعال في تحضير المنتجات، سواء في المصانع الصغيرة مثل تلك الموجودة في قلمين والحيوان، أو ضمن التعاونيات التي تعمل في صيد الأسماك ومعالجتها بطرق تقليدية. وقد تطورت بعض المشاريع من مقاولات صغيرة إلى مقاولات متوسطة الحجم، مما أتاح خلق فرص اقتصادية حقيقية للنساء. ولم تقتصر أهمية هذه المبادرات على الجانب الاقتصادي فحسب، بل كان لها أثر اجتماعي كبير، إذ ساعدت النساء، خاصة المطلقات والأرامل اللواتي كن يعولن أسرهن، على تحسين ظروف حياتهن وتحقيق استقلالهن المالي والاجتماعي.
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة الصحراوية في الدبلوماسية الموازية والدفاع عن القضية الوطنية في المحافل الدولية؟
يمكن أن تلعب المرأة الصحراوية دورا مهما في الدبلوماسية الموازية، فهي قادرة على تمثيل المجتمع المحلي والترويج للقضايا الوطنية على الصعيد الدولي من خلال المشاركة في المعارض، المهرجانات والفعاليات العالمية. حضورها في المحافل الدولية يعكس التزام المجتمع الصحراوي بقيم الوطنية ويعزز المصالح المغربية في الدفاع عن الوحدة الترابية.

