يشكل القرار الأممي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، محطة فاصلة في مسار قضية الصحراء المغربية، إذ اعتمد بشكل واضح مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كإطار واقعي وجدي وذي مصداقية للحل السياسي للنزاع الإقليمي، مؤكدا بذلك نجاعة المقاربة المغربية القائمة على الشرعية التاريخية والواقعية السياسية.
هذا التحول الأممي يأتي تتويجا لمسار طويل من الإصلاحات المؤسسية والدبلوماسية التي قادتها المملكة، وجعلت من الحكم الذاتي مشروعا مجتمعيا متكاملا يتجاوز البعد السياسي نحو آفاق تنموية واقتصادية واجتماعية متجددة.
وترتكز الورقة التحليلية الصادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) على قراءة شمولية لهذا القرار الأممي وما يمثله من تطور نوعي في الموقف الدولي، مبرزة أن الحكم الذاتي في الصحراء المغربية ليس مجرد صيغة تفاوضية، بل مشروع وطني متكامل يعكس عمق الارتباط التاريخي بين الأقاليم الجنوبية والعرش العلوي من خلال روابط البيعة والمشاركة في مسار التحرر الوطني وبناء الدولة المغربية الحديثة.
وتوضح الورقة أن المسيرة الخضراء سنة 1975 شكلت رمزا للالتحام الشعبي والملكي في سبيل استكمال الوحدة الترابية، وهو المسار الذي تواصل بتضحيات جسام من القوات المسلحة الملكية والمجتمع المدني في سبيل الدفاع عن السيادة الوطنية، ليواكبه جهد تنموي شامل حوّل الأقاليم الجنوبية إلى نموذج في التنمية المندمجة.
وعلى المستوى التنموي، تبرز الورقة التحليلية حجم الاستثمارات التي فاقت 77 مليار درهم في إطار النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، موزعة بين جهات العيون الساقية الحمراء، الداخلة وادي الذهب، وكلميم واد نون، مع تحقيق نسبة إنجاز تناهز 80 بالماىة. وتشمل هذه المشاريع موانئ استراتيجية كـ“الداخلة الأطلسي”، وشبكات طرق ومطارات حديثة، ومشاريع طاقية متجددة (شمسية وريحية وهيدروجين أخضر)، فضلا عن برامج اجتماعية لتأهيل الرأسمال البشري، والتعليم العالي، والخدمات الصحية.
ومن الناحية الدستورية، يكرس دستور 2011 خيار الجهوية المتقدمة كإطار مؤسساتي للحكم الذاتي، عبر منح الجهات صلاحيات موسعة في التخطيط والميزانية والتنمية المحلية. كما تم، بموجب القوانين التنظيمية لسنة 2015، تفعيل هذا المسار ميدانيا بانتخاب مجالس جهوية مستقلة، ما جعل الأقاليم الجنوبية نموذجاً في تدبير الشأن المحلي وتكريس الديمقراطية الترابية.
وتشير الورقة إلى أن تطور قرارات مجلس الأمن منذ سنة 2000 يعكس تحولا تدريجيا من التركيز على خيار الاستفتاء إلى تبنّي نهج سياسي واقعي وبراغماتي، بلغ ذروته بالقرار الأممي الأخير الذي جعل من الحكم الذاتي “النتيجة الأكثر جدوى” و”الأساس الواقعي للمفاوضات”، وهو ما يمثل اعترافا ضمنيا من المجتمع الدولي بمصداقية المبادرة المغربية وقدرتها على تحقيق حل دائم للنزاع.
كما تقارن الدراسة بين التجارب الدولية الناجحة في أنظمة الحكم الذاتي، مثل جنوب تيرول في إيطاليا، وجزر آلاند في فنلندا، وإقليم الباسك في إسبانيا، لتخلص إلى أن وضوح الصلاحيات، والتمكين المالي، والحكامة الرشيدة، تشكل ركائز حيوية لضمان نجاح أي تجربة للحكم الذاتي مستدامة ومنتجة للتنمية.
وتقترح الورقة مجموعة من التوصيات الاستراتيجية لتعزيز فعالية المشروع المغربي، من أبرزها:
– تعزيز استقلالية المجالس الجهوية وتمكينها من صلاحيات تنفيذية وتشريعية موسعة.
– تسريع تنفيذ مشاريع الطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق بالأقاليم الجنوبية.
– دعم ريادة الأعمال وتمكين الشباب من خلال مراكز للتكوين والابتكار في مدن العيون والداخلة.
– رقمنة الخدمات الإدارية لضمان الشفافية والمساءلة.
– ترسيخ الدور الدبلوماسي للجهات الجنوبية باعتبارها جسراً للاندماج الإفريقي.
ويخلص التقرير إلى أن مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم يعد مجرد رؤية سياسية لحل النزاع، بل أصبح مشروعا مجتمعيا متكاملا يهدف إلى بناء نموذج مغربي متفرد في الحوكمة الترابية، والتنمية المستدامة، والاندماج الإفريقي، بما يجعل من الأقاليم الجنوبية قاطرة للتنمية الإقليمية ومختبرا لتطبيق النموذج المغربي في الإصلاح والابتكار.

