آخر أخبارحديث الأربعاءرأي

الأطراف والإطار والمكان والزمان

بدأت معالم تفعيل مضمون قرار مجلس الأمن الدولي 2797 المتعلق بالنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، تتحدد بوضوح كامل في التقارير الإعلامية والتحليلات السياسية والتصريحات الديبلوماسية والتحركات الإقليمية والدولية، خاصة منها المعنية بإنهاء هذا النزاع والحد من امتداداته الخطيرة على أمن المنطقة، على أساس مستجدات قرار مجلس الأمن الذي حظي وبشكل غير مسبوق بالترحيب الواسع وبالدعم والتأييد القويين، بل إن قرار مجلس الأمن نفسه دعا إلى “اغتنام هذه الفرصة غير المسبوقة لتحقيق سلام دائم” ولا تعني الفرصة غير المسبوقة إلا تزايد الاعترافات بمغربية الصحراء والدينامية الدولية التي تشكلت حول مقترح الحكم الذاتي، والذي عبر عنه قرار مجلس الأمن بلغة واضحة وبلا مواربة في ديباجته: ” إذ يحيط علما في هذا السياق بالدعم الذي أعربت عنه العديد من الدول الأعضاء لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب في أبريل 2007، باعتباره أساسا لحل عادل وداسم للنزاع تقبله الأطراف” كما عبر عن الدينامية التي خلقها هذا المقترح وقوته الاقتراحية والاقناعية التي فرضها بدعوته إلى

“الاستفادة من الزخم الذي تحقق”والتأكيد على ضرورة انخراط الأطراف الأربعة المعنية بالنزاع في العملية السياسية والمفاوضات بحسن نية وضمن إطار مقترح الحكم الذاتي.

أولى معالم هذا التفعيل، هو تحديد الأطراف الحصرية المعنية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، والتي بنقصها أو بانسحاب طرف منها، لا تقام مائدة ولا طاولة، هذا من أجل تفادي ما تعرضت له الموائد المستديرة السابقة من تعطيل بعد انسحاب الوفد الجزائري المفاوض وتخليه عن تحمل مسؤولياته في تنفيذ التزاماته بوصفه طرفا معنيا أكثر من غيره بإنهاء وحل هذا النزاع المفتعل ليس على الصحراء المغربية فحسب بل على المغرب كله.

فبعد أن كانت الجزائر تتأول الأطراف الواردة في قرارات مجلس الأمن على أنها طرفان ليست منهما الجزائر، باتت اليوم مع التوضيح الأممي والفصل القاطع في الموضوع من قبل مجلس الأمن في قراره التاريخي الأخير، تدرك أن كل محاولاتها الهروب من المفاوضات بدعوى أنها مجرد جار وسيط وحمل وديع وداعية إلى الخير ومصلح ومرشد وهاد إلى صراط مستقيم، لن تقبل منها ولن تنفعها هذه المرة في تعطيل مسار الحل السياسي الذي تعلق عليه الدول أملها الأخير في إنهاء النزاع، وسيجر هذا الجار المتورط لا المتوسط، الذي هو أصل النزاع وقلبه ولبه، إلى المفاوضات جرا، أحب أو كره، بعد أن اقتنع المجتمع الدولي بدوره الكبير والحاسم المنتظر منه لإقبار مشروعه العدواني الانفصالي بعد أن خلقه وقدره وأنهى به نصف قرن من سيرته القديمة الفاشلة في المناورة والمؤامرة والمشحونة بتاريخ حافل بالخزي والعار والبؤس السياسي والديبلوماسي.  

ثاني هذه المعالم هو الإطار المعتد لمفاوضات الحل السياسي، كما هو وارد نصا وحرفا في قرار مجلس الأمن الأخير، وهو مقترح: “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية”، وإن لم يذكر القرار، لفظا، أنه المقترح الوحيد والأوحد المتفاوض في إطاره، فإن كل الدلائل السياقية والمقامية والمقالية الواردة في القرار، لا تذكر غير المقترح المغربي وتكرر ذكره في كل فقرة، ولا تصفه إلا هو بالواقعية والعدالة والقابلية للتطبيق والاستدامة، وبما يحظى به من الدعم، ومن ثمة لا تدعو إلا إليه ولا تستند إلا عليه ولا تحيط المجلس علما إلا به، ولا تحث إلا على إحراز التقدم في مناقشته، ولا ترحب بأية أفكار أو مقترحات إلا ضمن سقفه وسياجه، وهي الأفكار التي وصفها قرار مجلس الأمن ب” البناءة ” تجاوبا وتفاعلا مع مقترح الحكم الذاتي، ولن تكون الأفكار المدلى بها في المفاوضات حول مقترح الحكم الذاتي، “بناءة” إلا بالقدر الذي تسهم به في النهوض بهذا المقترح ودعمه، أما صرف النظر عنه والقفز عليه في المفاوضات باعتماد مرجعيات أو مقترحات خارجه لم يذكرها قرار مجلس الأمن ولا علم للدول بها، فهذا عين الهدم لا البناء على ما تقرر. وأقصى ما تقرر وأوسطه وأعدله بين أطروحتين متباعدتين هو الحكم الذاتي، ولا شيء غير الحكم الذاتي. وقد شرع المغرب، باعتباره صاحب الاقتراح الذي حظي بالموافقة والقبول والتأييد والدعم، منذ اليوم الأول للتصويت على قرار مجلس الأمن، بإطلاق ورش إعداد النسخة المحينة والموسعة لمقترحه الذي طرحه منذ أزيد من 18 سنة، وأحرز إلى غاية اليوم تقدما كبيرا في المشاورات مع القوى الحية في البلاد لتضمين اقتراحاتها في النسخة النهائية المعدلة للمقترح، بعد إخضاعها للدراسة وعرضها على الخبرة الوطنية والدولية التي انفتح عليها المغرب.فلن يكاد يتقرر أمميا بدء المفاوضات وإطلاق الجلسات الأولى منها، حتى يكون المغرب جاهزا على أحسن وجه وأكمله لتقديم هذا الإطار المرجعي المنتظر على طاولة المفاوضات برعاية أممية وتنفيذا لقرار مجلس الأمن الدولي الأخير.

ثالث هذه المعالم هو الحسم الواضح في المكان المقرر لإجراء المفاوضات، والذي لم يتركه قرار مجلس الأمن الدولي بدون إشارة إليه بالواضح، عندما أعرب عن ” تقديره للولايات المتحد الأمريكية لما أبدته من استعداد لاستضافة المفاوضات تعزيزا لمهمة المبعوث الشخصي من أجل التوصل إلى حل لمسألة الصحراء الغربية والمنطقة”، في إشارة إلى مسارين من الحوارات والمفاوضات يشملان نزاع الصحراء وكذلك الوضع في المنطقة والمتعلق بنزاعات إقليمية جيوسياسية بين دول الجوار، تعتبر قضية الصحراء فيها مجرد ذريعة وغطاء لها. لا مجال إذا لتغيير هذا المعطى المكاني بمحاولات تهريب استضافة المفاوضات في دولة غير الولايات المتحدة التي تتابع عن كثب تطورات النزاع ولديها من المصداقية والجدية في فرض احترام الالتزامات المقررة على الجميع، والانخراط بحسن نية في المفاوضات، والدفع قدما بالزخم السياسي والديبلوماسي الدولي الملتف حول الحكم الذاتي لإنهاء هذا النزاع، ولتيسير إحراز التقدم في تحقيق سلام دائم في المنطقة.

رابع هذه المعالم يتعلق بـالزمان المحدد لانطلاق المفاوضات وجمع الأطراف على طاولة النقاش بأجندة محددة ومعلومة وبدون شروط مسبقة خارج إطار الحكم الذاتي، فلئن كان توقيت بدء المفاوضات لم يحدد بتفصيل، فإن كل المؤشرات والتحركات تشير إلى الإعداد على قدم وساق للإعلان عن تاريخ انعقاد أولى الجلسات، وقد عبر المغرب عن جاهزيته، في انتظار دعوة رسمية لإطلاق المسار التشاوري في الوقت المناسب، كما صرحت الديبلوماسية المغربية، فيما الأطراف الأخرى خاصة الجزائر وذراعها الانفصالي، بدأت تستوعب جديا أن محاولاتها كسب مزيد من الوقت والمماطلة في الإعداد والاستعداد للمفاوضات الملزمة، معاكسة لجوهر وروح قرار مجلس الأمن الدولي الذي عبر بقوة هذه المرة عن الطابع الاستعجالي والمُلِح الدي سماه ب ” الحاجة الملحة إلى أن تتوصل الأطراف إلى حل النزاع” و بـ ” حالة الاستعجال” وغير القابلة للتأخير أو التأجيل وفي أقرب وقت، لإجراء المفاوضات وإنهاء هذا النزاع الذي طال أمده أكثر من اللازم، ولم يعد مسموحا في السياق الدولي الجديد الذي يواجه تحديات الحروب والإرهاب والانفصال بأي امتدادات أخرى للنزاعات الظاهرة أو الكامنة. 

 فهل بقي للعصابة الحاكمة في الجزائر من مجال للمراوغة والاستمرار في قراءتها الوهمية  والتقزيمية والتحقيرية لقرار مجلس الأمن،وفهمها المغلوط والمنحرف للتحركات وللاستعدادات على أوسع نطاق للبدء في تنزيل الحكم الذاتي على طاولة المفاوضات، وبمشاركة جزائرية ملزمة كطرف في النزاع وفي الحل، ثم تنزيله بالتالي في الواقع لإنهاء الوهم الانفصالي وتحرير محتجزي المخيمات من سوق النخاسة المغلق في تندوف وتفكيكه، وتأمين المنطقة من مخططات العدوان على دولها وشعوبها المتطلعة إلى السلام والتعايش والتعاون وحماية حرياتها ووحدتها الترابية.  

     

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock