من المفروض أن يكون احتضان المغرب لأفضل نسخة لكأس إفريقيا مبعث فخر واعتزاز، ليس للمغرب فحسب، وإنما لإفريقيا بأكملها، تقدم للعالم صورة جميلة عن قارة ناهضة بسواعد أبنائها، وبعزيمة قوية على مواجهة تركة ثقيلة من مخلفات الاستعمار والتخريب والتقسيم ونهب الثروات، وعقود من الحروب والابتزازات والصراعات التي أثرت سلبا على مسارات التحرير والاستقلال وبناء الدولة الوطنية في إفريقيا.
يقدم المغرب، ليس درسا، وإنما نموذجا للانتصار على عوامل الإحباط وتخطي عقبات وعوائق التنمية، ومحو الصور النمطية عن إفريقيا الغارقة في العثرات التنموية والديموقراطية والحقوقية والرازحة في أوحال التخلف.
هذا النموذج المغربي يحمل البشائر على أنه بإمكان إفريقيا المتضامنة أن تصنع الحدث المتميز، وأن تفرض على باقي قارات العالم الاحترام والتقدير لكفاءاتها وقدراتها الذاتية على تخطي الصعاب، وتحويل الأزمات إلى فرص لإحداث قفزات نوعية في كل مجالات النهضة والازدهار، وبالتالي ملء شاشات العالم بالصور الجميلة والمبهرة عن أمم اختارت المستقبل والتنافس الشريف والخلاق لصناعة فرحة الشعوب والإبهار بالمنجزات واحتضان أحلام الشباب في الوقوف بندية وشرف وعزة نفس وريادة في كل التظاهرات التنافسية الدولية والأممية التي تنتزع فيها إفريقيا مراكز ريادية متقدمة ومقعدها المستحق في الصفوف الأولى من سلم الرقي والازدهار، بدل ملء هذه الشاشات بصور نمطية مسيئة عن اقتتال وتناحر ونزوح وهجرات وفقر وحرمان وتخلف، تكرس منظور الهيمنة الاستعمارية على إفريقيا وعلى ثرواتها وعلى مستقبل أجيالها الجديدة.
لقد حبى الله القارة الإفريقية بثروات طبيعية هائلة، وبأراض خصبة، ومياه عذبة جارية، وطبيعة خلابة ومتنوعة، ومكونات بشرية وثقافية متكاملة ومتعددة الأعراق والخصوصيات المحلية والجهوية، وحاضنة عريقة هي مهد البشرية وروحها الفطرية المعطاء، وحكمتها الخالدة، كما حباها الله بكفاءات وطاقات وقاعدة شبابية واعدة متقدة ووثّابة، ونخب ثقافية وعلمية تحقق في سائر بلدان العالم منجزات عظيمة للبشرية، حظيت بتقدير العالم الحر والمتقدم، الذي نسبها إليه بعد تعذر احتضانها في قارتها المظلومة والمغبونة التي تصدر إلى قارات العالم أجود ما لديها من ثروات ومكونات ثقافية وبشرية بناءة، فيما هذا العالم لا يمسك في خياله عن إفريقيا إلا صورا مؤسفة عن الأهوال والأدغال وتدفقات الهجرة غير الشرعية، والفقر والإقصاء والإرهاب، والتجارة في الممنوعات، والأزمات السياسية والحروب، ومظاهر الضعف والخصاص والحاجة، والاتكال على الأجنبي في الصناعة والتعليم والصحة، والطعام كذلك الذي تعتبر إفريقيا فيه سلة العالم في الغذاء، وكنزه المكنوز من الثروات المعدنية الثمينة، التي بدونها لا قيام للتكنولوجيات الحديثة المتقدمة في التصنيع والاختراع.
يقدم المغرب الإفريقي لأشقائه الأفارقة من خلال تصدير صور الفرحة بمنجزاته على صعيد البنيات التحتية الرائدة وعلى صعيد سياساته التنموية وعلاقاته الدولية الندية وشراكاته الاستراتيجية المتميزة، بارقة أمل في أن إفريقيا الغد لن تكون هي إفريقيا الأمس القريب، إفريقيا الحزينة المنطوية على أزماتها، بل إفريقيا التي ترفع رأسها عاليا في كل المجالات التنافسية مع قارات بدأت تشيخ تحت وطأة صور مزيفة ومركبة في وعيها عن قدر محتوم بدوام حال شمال متقدم بعيشه الرغيد المطمئن، وجنوب متخلف بفقره المزمن.
لن نحمل الحدث الرياضي القاري في المغرب أكثر مما يحتمل، من كونه مجرد منجز رياضي في مجال محدود، ولكن بالنظر إلى ما يكشفه أمام العالم من كون هذا الحدث الرياضي خلاصة عمل في جبهات تنموية عديدة تتجاوز الريادة القطاعية الرياضية إلى الريادة الشاملة التنموية والصناعية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والخدماتية، من مد الطرقات الحديثة وشبكات السكك الحديدية المتطورة ومنشآت استقبالية من مطارات ومحطات وموانئ، وفنادق ومحلات تجارية راقية، ومنتزهات وحدائق ممتدة، ووسائل نقل حديثة ومدن ذكية، وخدمات رفيعة وأمن مستتب، وضيافة كريمة وفنون جميلة، وقلب عامر بالخير والتواضع، يقدم هذا الحدث الرياضي فسيفساءها وصورها المبهرة التي تتناقلها شاشات العالم، وتشهده على عظمة إفريقيا بكل تراثها وثرائها الباذخ، وقدراتها الذاتية على التنظيم والإبداع وصناعة فرحة الشعوب، وفرجة ممتعة لا مكان فيها لأعمال الفوضى والكراهية والشر.
وحدها شرذمة من حثالة وأزلام نظام حاقد متطاول أعمى البصر والبصيرة، بفعل التنشئة المريضة على الكراهية والعدوان، من رفعت في وجه البيت المغربي الإفريقي بقايا التخلف والأحقاد الدفينة، وأتت إلى هذا الفرح والعرس الإفريقي برائحة كريهة، وبنية مبيتة للتشويش والتخريب والإفساد والاستفزاز، والبحث عن المساوئ والأخطاء والعثرات بهدف التسويق لصورة مضللة خادمة للاستعمار ومسيئة للمنجز الرياضي الإفريقي، مثلما فعلت هذه الشرذمة نفسها في النسخة الكروية القارية السابقة والناجحة التي جرت أطوارها بدولة الكوت ديفوار الشقيقة والصديقة، بتسويقها لصور مسيئة للشعب الإفواري، وطاعنة في ضيافته، وغادرة بحفاوة استقباله ودماثة أخلاقه، وتوفير دولته وقيادته لملاعب لائقة ورائعة وبنيات استقبال دافئة للفرح الإفريقي.
والمثلج للصدر أن هذه الحثالة الحاقدة الملعونة المسيئة لنفسها، الساقطة شهادتها أخلاقيا، هي لا حدث وشذوذ في زحمة وزخم الشهامة والنبالة الافريقية التي ملأت الدنيا بصور ومشاهد صناعة الفرحة والسلام والتضامن في البيت المغربي العتيق الذي يتسع قلبه وقالبه لجميع أشقائه، وينفي كيره الخَبَث الذي يخفي الذهب الإفريقي الخالص واللماع، ويصنع أمجاد قارة، وينصف تاريخها، ويمد جسور الخير والوئام والتعاون والتضامن بين شعوبها. فلا نامت أعين الحاقدين والشامتين الذين يلعنون مستقبلهم.

