آخر أخباراقتصاد

 رشيد ساري يقرأ ملامح الرؤية الاقتصادية لسنة 2025

يواجه الاقتصاد المغربي خلال سنة 2025 مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الإكراهات الظرفية مع رهانات التحول البنيوي، في سياق وطني ودولي يتسم بعدم اليقين. فبين تداعيات التغيرات المناخية، وتباطؤ وتيرة خلق فرص الشغل، وارتفاع الضغوط الاجتماعية، تتعاظم الحاجة إلى قراءة معمقة لمسار السياسات الاقتصادية وقدرتها على الاستجابة لتطلعات الشغل والنمو. وفي هذا الإطار، يقدم الخبير الاقتصادي رشيد ساري لـ”رسالة24″ تشخيصا نقديا للوضع الاقتصادي، مستعرضا أبرز التحديات والفرص التي تفرض نفسها على المغرب مع متم سنة 2025.

ويرى ساري أن سوق الشغل يظل الحلقة الأضعف في المنظومة الاقتصادية الحالية خاصة في ظل التأثير المباشر للتغيرات المناخية على القطاع الفلاحي الذي يشكل تاريخيا أحد أهم مصادر التشغيل بالمغرب. فقد أدى توالي سنوات الجفاف إلى تقلص كبير في مناصب الشغل القروية وهو ما تؤكده معطيات المندوبية السامية للتخطيط، التي تشير إلى تراجع مساهمة الفلاحة في التشغيل لفائدة قطاعات أخرى أقل قدرة على امتصاص اليد العاملة غير المؤهلة. هذا التراجع بحسب ساري، ساهم في تعميق البطالة والهشاشة، خاصة في صفوف الشباب والساكنة القروية.

وينتقد الخبير الاقتصادي محدودية نجاعة السياسات العمومية المتبعة في مجال التشغيل معتبرا أن البرامج الحالية تظل ذات طابع ظرفي ولا تستجيب لاختلالات سوق الشغل البنيوية. فحسب المندوبية السامية للتخطيط، ما يزال معدل البطالة في مستويات مقلقة مع تركزه بشكل خاص في الوسط الحضري وبين الشباب الحاصلين على شهادات، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين منظومة التكوين وحاجيات الاقتصاد الحقيقي. ويؤكد ساري أن تجاوز هذه الوضعية يقتضي تخطيطا استراتيجيا بعيد المدى يربط بين الاستثمار، والتكوين، وسياسات التشغيل بدل الاكتفاء بحلول جزئية.

وفي المقابل، يبرز ساري أن سنة 2026 قد تحمل مؤشرات إيجابية، في حال تحسنت الظروف المناخية وتأكدت توقعات انتعاش التساقطات وهو ما قد ينعكس جزئيا على النشاط الفلاحي والتشغيل القروي. كما يشير إلى أن مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تراهن عليها الدولة، يمكن أن تشكل رافعة مؤقتة لخلق فرص الشغل شريطة أن يتم إدماج اليد العاملة المحلية وتعزيز المحتوى المحلي لهذه الاستثمارات.

ويولي الخبير أهمية خاصة لدور الشركات الصغرى والمتوسطة، معتبرا إياها المحرك الحقيقي لخلق فرص الشغل بالمغرب وهو ما تؤكده تقارير المندوبية السامية للتخطيط التي تظهر أن النسيج الاقتصادي الوطني يتكون أساسا من مقاولات صغيرة تنشط خصوصا في قطاع الخدمات والتجارة. غير أن هذه المقاولات يضيف ساري، تواجه اختلالات بنيوية أبرزها صعوبة الولوج إلى التمويل والضغط الجبائي، وتعقيد المساطر الإدارية، مما يحد من قدرتها على التوسع وخلق مناصب شغل مستدامة.

وفي هذا السياق، يدعو ساري إلى إعادة هيكلة شاملة للنظام البيئي للمقاولة خاصة لفائدة الشركات الصغرى والمتوسطة عبر تحفيزات ضريبية حقيقية وتسهيل الولوج إلى التمويل وربط الدعم العمومي بخلق فرص الشغل الفعلية. كما يشدد على ضرورة العدالة المجالية في توزيع الاستثمار انسجاما مع معطيات المندوبية السامية للتخطيط التي تبرز استمرار الفوارق الترابية في معدلات البطالة والتنمية.

وعلى مستوى الفرص، يرى الخبير أن الاستثمار الأجنبي يشكل رهانا أساسيا، خاصة في القطاعات الصناعية والخدماتية ذات القيمة المضافة، مبرزا أن استحقاقات كبرى من قبيل تنظيم كأس العالم، يمكن أن تشكل فرصة استراتيجية لتعزيز جاذبية الاقتصاد المغربي وتحفيز الاستثمار في البنيات التحتية والسياحة والخدمات. غير أنه يحذر من اختزال هذه الفرص في منطق ظرفي، مؤكدا أن الأثر الحقيقي يظل رهينا بقدرة السياسات العمومية على تحويل هذه الدينامية إلى نمو شامل ومستدام.

ويخلص رشيد ساري إلى أن الرؤية الاقتصادية لسنة 2025 وما بعدها مطالبة بالانتقال من تدبير الأزمات إلى بناء نموذج تنموي أكثر مرونة وعدالة، يضع التشغيل في صلب السياسات العمومية، ويستند إلى معطيات دقيقة، من بينها تلك التي توفرها المندوبية السامية للتخطيط، باعتبارها أداة أساسية لفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية. فبدون إصلاح عميق لمنظومة التشغيل والمقاولة، يؤكد الخبير، سيظل النمو الاقتصادي غير قادر على ترجمة أرقامه إلى تحسن ملموس في عيش المواطن المغربي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock