يواجه المغرب تحديات مائية غير مسبوقة نتيجة التغيرات المناخية الحادة حيث تتقاطع موجات الجفاف الطويلة مع أمطار غزيرة ومفاجئة تتسبب في فيضانات وانجراف التربة. هذه التقلبات تؤثر بشكل مباشر على الموارد المائية، الزراعة، والطاقة، ما يجعل الأمن المائي قضية استراتيجية على الصعيد الوطني. في هذا الحوار، يسلط أيوب كرير، الخبير في المناخ والتنمية المستدامة ورئيس جمعية “أوكسيجين للبيئة والصحة”، الضوء على واقع المياه في المغرب، الإجراءات الضرورية لمواجهتها وأهمية التقنيات الحديثة في إدارة الموارد المائية بطريقة مستدامة وذكية.
كيف تقيم مستوى مخزون السدود والمياه الجوفية في ظل هذه التغيرات المناخية؟
الواقع المائي في المغرب يمر بمرحلة حرجة للغاية نتيجة التغيرات المناخية المستمرة. في القطاع الزراعي نجد أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة معدل التبخر، وبالتالي تزداد الحاجة للسقي خاصة في السنوات الأخيرة التي شهدت موجات حرارة غير مسبوقة. هذا يضع ضغطا كبيرا على المياه السطحية والجوفية على حد سواء. إلى جانب ذلك، تتسم الأمطار بالعدم الانتظام، فقد تكون قصيرة أو متقطعة، ما يؤدي إلى تدبدب الإنتاج الزراعي وعدم القدرة على التخطيط بشكل دقيق للمواسم. هذه الظواهر تجعل المزارع أكثر عرضة للأمراض الفطرية وتؤثر على جودة المحاصيل، خصوصا عندما تصاحب الأمطار الغزيرة موجات جفاف طويلة تسبقها أو تليها.
أما من ناحية التربة، فالأمطار الغزيرة المفاجئة تسبب انجرافها، وتدمر القدرة الطبيعية للتربة على الاحتفاظ بالمياه وهذا يقلل من تجديد الفرشات المائية ويضر بجودة المياه الجوفية. على مستوى الطاقة يؤثر هذا التذبذب في المخزون المائي على إنتاج الطاقة الكهرومائية بشكل مباشر، حيث تصبح محطات التوليد عرضة للتقلبات مما يضاعف الحاجة للبحث عن بدائل مثل التحلية البحرية والتي، رغم إيجابياتها، تأتي بتحديات كبيرة على مستوى الطاقة والتكلفة والتأثير البيئي الأمر الذي يستدعي إدارة مستدامة ومتوازنة لهذه الموارد.
ما الإجراءات التي يجب أن تتخذها الدولة لضمان الأمن المائي في السنوات المقبلة؟
لضمان الأمن المائي في المغرب على المدى المتوسط والطويل، هناك إجراءات أساسية يجب تنفيذها بشكل عاجل ومنهجي. أولا، يجب تنويع مصادر العرض المائي، خصوصًا من خلال الاستثمار الكبير في مشاريع تحلية مياه البحر، بهدف الوصول بحلول 2030 إلى إنتاج نحو 1.7 مليار متر مكعب سنويا. مقارنة بالمحطات السابقة التي كانت تنتج 345 مليون متر مكعب عام 2017، هذا التحول يمثل زيادة هائلة في القدرة المائية الوطنية، وهو أمر بالغ الأهمية لتعويض نقص الموارد الطبيعية.
ثانيا، يجب أن ترافق مشاريع التحلية استراتيجيات واضحة للطاقة المستدامة لتقليل التكاليف والبصمة الكربونية. كما يجب الالتزام بمعايير صارمة في إدارة المخلفات وحماية السواحل من التلوث، لأن أي إهمال في هذه الجوانب يمكن أن ينعكس سلبا على البيئة وعلى استدامة المشاريع نفسها.
ثالثا، الإصلاح الهيكلي للطلب المائي، خاصة في الزراعة، أمر لا غنى عنه. القطاع الزراعي يستهلك أكثر من 83بالمائة من الموارد المائية، وإذا لم نعدل هذا الاستهلاك، فإن أي زيادة في العرض ستكون محدودة الفائدة. لذلك يجب ربط الدعم الحكومي للمزارعين بمؤشرات فعالية استخدام المياه بحيث يتم تحفيز الاستخدام الأمثل والتقني والتكنولوجي للموارد. ويجب أن تشمل هذه المؤشرات تقييم كفاءة استهلاك الماء لكل متر مكعب وربط الدعم بمستوى الإنتاجية الفعلية والفعالية البيئية للمزارع.
ما دور التقنيات الحديثة في التنبؤ بالأمطار والجفاف وإدارة الموارد المائية؟
تلعب التقنيات الحديثة دورا محوريا في تحسين الإدارة المائية بشكل شامل. أولا، التنبؤ المبكر يعتمد على دمج الرادارات الجوية مع الأقمار الصناعية لمراقبة السحب والتغيرات المناخية، مما يمكننا من التنبؤ بالسيول المفاجئة وتخطيط استخدام السدود بكفاءة أعلى. هذه المعلومات تساعد على اتخاذ قرارات مبكرة لتوزيع المياه، حماية الأراضي والتقليل من المخاطر على الزراعة والمجتمعات المحلية.
ثانيا، المراقبة عن بعد لمستوى المياه في السدود، وحالة التربة والمحاصيل ودرجة حرارة السطح، ومؤشرات الجفاف، تتيح بناء قاعدة بيانات دقيقة وواقعية تساعد على التدخل في الوقت المناسب. استخدام الذكاء الاصطناعي هنا يمكن أن يدمج هذه البيانات مع توقعات الطقس الطلب على المياه، ونمط الاستهلاك، لبناء نظام إنذار مبكر يدعم عمليات التدبير الذكي والمستدام. هذه الإجراءات تسمح بتحسين جودة القرارات، تخفيض الهدر، وضمان استدامة الموارد في مواجهة التقلبات المناخية.
ما أثر التغيرات المناخية على القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والطاقة؟
التغيرات المناخية لها تأثيرات مباشرة وعميقة على القطاعات الإنتاجية. في الزراعة، تؤدي الحرارة المرتفعة وقلة انتظام الأمطار إلى زيادة استهلاك المياه، ما يضغط على الموارد ويؤدي إلى تذبذب المحاصيل وقد تتفاقم المشكلات الزراعية بسبب انتشار الأمراض الفطرية المرتبطة بالحرارة العالية والجفاف المتكرر. الأمطار الغزيرة والمفاجئة تسبب انجراف التربة وتقلل من قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، ما يؤثر على جودة المحاصيل وموارد المياه الجوفية بشكل دائم.
في قطاع الطاقة، تعتمد الطاقة الكهرومائية على مخزون السدود، ما يجعلها معرضة لتذبذب الإنتاج في ظل نقص الأمطار أو موجات الجفاف. وهذا يتطلب تخطيطا متكاملا يجمع بين الطاقة التقليدية والمتجددة، واستخدام التحلية البحرية كبديل، مع مراعاة البصمة البيئية والتكلفة الاقتصادية. الهدف هو وضع حلول مستدامة تحقق توازنا بين العرض والطلب، وتقلل من المخاطر المرتبطة بتقلبات المناخ على المدى الطويل.

