آخر أخبارمجتمعمستجدات

انهيارات بفاس وسيول بآسفي تطرح سؤال المسؤولية في سنة 2025

لم تكن سنة 2025 عادية في الذاكرة الجماعية للمغاربة، إذ وسمت بسلسلة مآس اجتماعية مؤلمة أعادت إلى الواجهة إشكالات قديمة مرتبطة بالسلامة الحضرية، وجودة البنيات التحتية، ونجاعة سياسات الوقاية. وبين انهيار عمارتين سكنيتين بمدينة فاس، وفيضانات مدمرة اجتاحت المدينة العتيقة بآسفي، وجد المجتمع المغربي نفسه أمام كلفة بشرية ومادية ثقيلة، وأسئلة ملحة حول المسؤولية والاستباق.

فاس.. مأساة تحت الأنقاض

في واحدة من أسوأ الحوادث من نوعها بالمغرب منذ نحو عقد، اهتزت مدينة فاس على وقع انهيار مبنيين متجاورين من أربعة طوابق، كانا يضمان ثماني عائلات. والحصيلة كانت صادمة: مصرع 22 شخصا وإصابة 16 آخرين، في فاجعة إنسانية خلفت حزنا عميقا وصدمة واسعة في الرأي العام.

اللافت أن الحادث وقع بحي أُنجز في إطار برنامج لإعادة الإسكان انطلق منذ سنة 2007، ما فتح الباب أمام تساؤلات حادة بشأن احترام معايير السلامة وجودة البناء.  وتحدثت شهادات متطابقة من السكان عن بناء عشوائي وغياب المراقبة التقنية الصارمة، واستعمال مواد لا تستجيب لشروط السلامة، ما أعاد إلى الأذهان سلسلة انهيارات قاتلة عرفتها مدن مغربية أخرى خلال السنوات الماضية، من بينها الدار البيضاء ومراكش.

آسفي.. السيول تكشف هشاشة المدينة العتيقة

على الساحل الأطلسي، كانت مدينة آسفي على موعد مع مأساة من نوع آخر. فقد صنفت خسائر الفيضانات المفاجئة التي ضربت المدينة العتيقة ضمن الأشد التي عرفها المغرب خلال فيضانات العقد الأخير. خلفت السيول الجارفة دمارا واسعا، وأدت إلى وفاة 37 شخصا، كما تسببت في تشريد عدد كبير من السكان الذين وجدوا أنفسهم بلا مأوى بعد تضرر منازلهم بشكل جسيم.

أصبح عدد من البيوت غير صالح للسكن، فيما صنفت أخرى كمبان مهددة بالانهيار، ما فاقم معاناة الأسر المتضررة. وكشفت الكارثة هشاشة البنية التحتية بالمدينة القديمة، حيث عجزت شبكات تصريف مياه الأمطار عن استيعاب الكميات الكبيرة من المياه المتدفقة في وقت وجيز، لتغمر الأزقة والمنازل والمحلات بسرعة قياسية.

وأعاد هذا الوضع إلى الواجهة أسئلة قديمة حول غياب الصيانة الدورية، وضعف الاستعداد لمواجهة مخاطر الفيضانات، خاصة في المدن العتيقة ذات النسيج العمراني الهش.

 محمد بن مخلوف، أستاذ علم الجيولوجيا، يشرح أسباب الفيضانات في آسفي

في حوار مع “رسالة 24”، أوضح محمد بن مخلوف، أستاذ علم الجيولوجيا، أسباب هشاشة مدينة آسفي أمام الفيضانات:

ما الذي يجعل مدينة آسفي عرضة لخطر الفيضانات؟

تتعرض آسفي لخطر الفيضانات نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية، حيث تؤدي خصائص التربة والتضاريس، إلى جانب التدخلات العمرانية غير المدروسة، إلى تجمع مياه الأمطار بسرعة وغمر بعض الأحياء.

 ما دور طبيعة التربة والصخور في تشكّل الفيضانات؟

 أغلب التربة والصخور في محيط آسفي لا تسمح بامتصاص مياه الأمطار بسهولة، ما يؤدي إلى جريان المياه فوق سطح الأرض بدل تسربها إلى باطنها، وهو ما يسرّع تشكّل السيول.

كيف تؤثر التضاريس على ارتفاع خطر الفيضانات؟

 توجد بعض الأحياء في مناطق منخفضة أو أسفل مرتفعات، ما يجعلها نقاطا طبيعية لتجمع المياه. كما أن الانحدارات تساعد على تدفق المياه بسرعة نحو هذه المناطق.

هل للقرب من البحر دور في تفاقم الفيضانات؟

 نعم، فحين تتزامن الأمطار الغزيرة مع فترات المدّ البحري، يصعب تصريف مياه الأمطار نحو البحر، ما يؤدي إلى تراكمها داخل المدينة وارتفاع خطر الفيضانات.

 ما دور الأودية المحيطة بآسفي في سرعة تشكل السيول؟

إن الأودية المحيطة بالمدينة قصيرة ومنحدرة، ما يسمح بوصول مياه الأمطار بسرعة كبيرة إلى داخل المدينة. كما أن التقاء عدة روافد في مجرى واحد يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في منسوب المياه.

 إلى أي حد يسهم العامل البشري في تفاقم الوضع؟

يسهم العامل البشري بشكل كبير، من خلال البناء العشوائي قرب الأودية أو فوقها، وتغطية الأرض بالإسمنت والإسفلت، إضافة إلى إزالة الغطاء النباتي، ما يقلل من قدرة التربة على امتصاص المياه ويزيد من سرعة الجريان السطحي.

ما تأثير انسداد قنوات تصريف المياه؟

 انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسبب النفايات أو ضعف الصيانة يمنع تصريف المياه بشكل طبيعي، ما يؤدي إلى تراكمها بسرعة وحدوث الفيضانات.

 ما الحلول الممكنة للحد من خطر الفيضانات في آسفي؟

إن الحد من خطر الفيضانات يمر عبر منع البناء في مجاري الأودية والمناطق المنخفضة، وتنظيف قنوات التصريف بانتظام، وتشجير المنحدرات، وإنشاء أحواض مؤقتة لتجميع مياه الأمطار، إضافة إلى اعتماد أنظمة إنذار مبكر.

إن الفيضانات في آسفي ليست نتيجة الأمطار فقط، بل هي نتيجة تفاعل العوامل الطبيعية مع تدخلات بشرية غير مدروسة، والحل يكمن في التخطيط الجيد، واحترام طبيعة المجال، والوقاية قبل وقوع الكارثة.

بين فاس وآسفي.. سؤال المسؤولية

تتقاطع مأساة انهيار العمارتين بفاس مع كارثة فيضانات آسفي في نقطة جوهرية: غياب الوقاية والاستباق. ففي الحالتين، لم تكن الطبيعة أو الزمن وحدهما المسؤولين، بل ساهمت اختلالات بشرية وتدبيرية في تحويل الخطر إلى كارثة.

سنة 2025، بما حملته من آلام، أعادت التأكيد على أن المآسي الاجتماعية لا تقاس فقط بعدد الضحايا، بل بما تكشفه من أعطاب بنيوية تستدعي مراجعة عميقة لسياسات التعمير وإعادة الإسكان.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock