في مطلع السنة المنصرمة، أعطى جلالة الملك محمد السادس الانطلاقة الرسمية لورش إصلاح مدونة الأسرة، في خطوة وصفت بالمفصلية في مسار الحقوق الأسرية بالمغرب وعكست إدراكا عميقا لحساسية هذا الملف وتشابكه مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والقيم الدستورية التي أرسى دعائمها دستور 2011.
وقد جاء التوجيه الملكي واضحا من حيث المنهج والغاية، داعيا إلى اعتماد مقاربة تشاركية متوازنة، تستحضر مقاصد الشريعة الإسلامية وروح العصر، وتضمن الإنصاف والكرامة لجميع أفراد الأسرة، نساء ورجالا وأطفالا، بعيدا عن أي مزايدات إيديولوجية أو قراءات متشنجة.
طيلة أشهر السنة، ظل ورش تحيين مدونة الأسرة حاضرا بقوة في صلب النقاش العمومي باعتباره لحظة تقويمية لمدونة طُبقت على امتداد ما يقارب 17 سنة، وأبانت عن مجموعة من الاختلالات المرتبطة أساسا بالتنزيل والتأويل، وأحيانا بالانحراف عن فلسفتها الأصلية. وقد انخرطت في هذا المسار الاستشاري مؤسسات رسمية وهيئات علمية وفقهية وقانونية، إلى جانب فعاليات المجتمع المدني والحركة الحقوقية في نقاش وطني وصف بغير المسبوق من حيث سعته ورمزيته. هذا التريث، الذي اعتبره البعض بطئا، يعكس في العمق حرص الدولة على تفادي التسرع في إخراج نص قانوني يمس جوهر الحياة الأسرية للمغاربة، باعتبار أن مدونة الأسرة ليست مجرد قانون تقني، بل عقد اجتماعي يعكس هوية المجتمع واختياراته الكبرى.
وفي هذا السياق، اعتبرت سميرة موحيا، رئيسة فدرالية رابطة حقوق النساء، في تصريح لـ“رسالة 24”، أن الدعوة الملكية لتحيين مدونة الأسرة تشكل محطة أساسية في مسار النهوض بوضعية المرأة، مؤكدة أن جلالة الملك ربط تقدم المغرب بالرقي بمكانة النساء وتمكينهن من المشاركة الفاعلة في التنمية، عبر تحيين الآليات التشريعية الوطنية وتفعيل المؤسسات الدستورية المعنية بالأسرة والنساء.
وأبرزت المتحدثة أن الحركة الحقوقية تستنير بالرؤية الملكية، وتواصل دورها الرقابي في تتبع تنزيل مقتضيات المدونة، التي أفرز تطبيقها، بحسب تعبيرها، مظاهر إجحاف وظلم في حق النساء نتيجة اختلالات في التنفيذ وتأويلات بعيدة عن روح النص.
وطالبت موحيا بتغيير جذري لمقتضيات المدونة، خاصة تلك التي تضع المرأة في مرتبة أدنى من الرجل داعية إلى إقرار المسؤولية المشتركة بين الزوجين داخل الأسرة، سواء أثناء قيام العلاقة الزوجية أو بعد انحلالها، ومراجعة مسألة الولاية القانونية على الأطفال، التي تسند حاليًا للأب دون الأم، رغم تحمل هذه الأخيرة لأعباء الحضانة. كما دعت إلى إلغاء تعدد الزوجات وزواج القاصرات، وإقرار المساواة في النفقة، واحتساب العمل المنزلي والرعائي الذي تقوم به المرأة كعمل فعلي، إلى جانب تقاسم الممتلكات والأموال المحصلة خلال فترة الزواج.
وأثارت المتحدثة ذاتها مسألة المساواة بين الأطفال في الحق في النسب، معتبرة أن الفصل 32 من الدستور لا يميز بين طفل وُلد داخل مؤسسة الزواج أو خارجها ومطالبة باعتماد الخبرة الجينية لإثبات البنوة. كما دعت إلى فتح نقاش هادئ ومسؤول حول الإرث في إطار اجتهاد متنور، مشيرة إلى أن العديد من العلماء والمفكرين المغاربة سبق أن تقدموا بتوصيات في هذا الاتجاه.
وشددت على ضرورة صياغة المقتضيات الجديدة بلغة قانونية واضحة، تقطع مع التأويلات الإيديولوجية، وتستند إلى مبدأ المساواة والمرجعية الكونية لحقوق الإنسان.
من جهتها، أكدت ليلى أميلي، رئيسة جمعية “أيادي حرة”، أن إعادة النظر في مدونة الأسرة أصبحت مطلبا ملحا، بالنظر إلى التحولات العميقة التي عرفها المغرب خلال 18 سنة من تطبيق مدونة 2004، وعلى رأسها دستور 2011، الذي نص صراحة على المساواة وعدم التمييز، وأقر إحداث هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز. وأضافت أن انفتاح المغرب على الاتفاقيات الدولية، وتبنيه قوانين حقوقية متقدمة، من قبيل تعديل قانون الجنسية سنة 2007 وقانون محاربة العنف ضد النساء، يجعل من الضروري تحيين مدونة الأسرة لتنسجم مع هذا المسار.
واعتبرت أميلي أن المدونة الحالية أصبحت متقادمة وغير مواكبة للعصر، منتقدة الطابع الجزئي للإصلاحات السابقة، وداعية إلى مراجعة شمولية تضع حدا للاستثناءات التي تحولت، على أرض الواقع، إلى قاعدة، خاصة في ما يتعلق بزواج القاصرات. وأبرزت أن المرونة القضائية في تزويج الطفلات أفرزت مآسي اجتماعية، خصوصا في العالم القروي، حيث تحرم فتيات متفوقات دراسيا من مواصلة تعليمهن بدعوى الفقر والهشاشة، في تكريس لعقلية ذكورية تقليدية.
كما شددت أميلي على ضرورة إقرار آليات عملية للحد من هذه الظاهرة، معتبرة أن السجل الاجتماعي الموحد المرتقب اعتماده قد يشكل أداة لتحديد الفئات الهشة المستهدفة بالدعم المباشر، بما يساهم في تقليص دوافع الزواج المبكر. ولم تغفل التطرق إلى إشكالات الولاية والحضانة، التي تحرم في حالات كثيرة الأمهات من حقوقهن ومن أبنائهن، بسبب غياب الأب أو بسبب إعادة الزواج، إضافة إلى التحايلات المرتبطة بتعدد الزوجات.
ومع اقتراب نهاية السنة، حلت لحظة مفصلية أخرى في هذا الورش، بعد رفع اللجنة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة النسخة المحينة إلى جلالة الملك، الذي أحالها على المجلس العلمي الأعلى قصد إبداء الرأي الشرعي في المضامين المعدلة. هذه الإحالة الملكية لاقت ترحيبا واسعا من قبل فعاليات حقوقية ونسائية، اعتبرتها خطوة حكيمة من شأنها قطع الطريق أمام التأويلات المتباينة، والحسم في القضايا الخلافية المرتبطة بالأسرة.
وفي هذا الإطار، وصفت ليلى أميلي إحالة المدونة على المجلس العلمي الأعلى بالمبادرة الرائعة، معتبرة أن الفتوى الصادرة عن هذه المؤسسة الدستورية كفيلة بوضع حد لحالة الشد والجذب بين التيارات المحافظة والحداثية. وأكدت أن المقاربة التشاركية التي اعتمدها جلالة الملك منذ مراسلة رئيس الحكومة لتشكيل لجنة خاصة بالمراجعة، تعكس حرصًا على إخراج مدونة أسرة متوازنة، تستجيب لمتطلبات الحاضر وتحديات المستقبل، بعيدا عن أي مزايدات ظرفية.
ومع وداع سنة كاملة من الانتظار والترقب دون صدور المدونة الجديدة، تتجه الأنظار مع مطلع السنة الجديدة إلى ما ستسفر عنه المراحل النهائية لهذا الورش الملكي، في ظل آمال واسعة بأن تحمل المدونة المرتقبة إجابات عملية لإشكالات واقعية تعيشها الأسر المغربية، وأن تشكل خطوة نوعية في مسار ترسيخ العدالة الأسرية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، بما يترجم فعليًا الرؤية الملكية لأسرة مغربية قائمة على العدل، والكرامة، والتكافل، والمسؤولية المشتركة.

