آخر أخبارحديث الأربعاءرأي

المغرب أوَّلاً

بغض النظر عن الجدل السياسي القائم بشأن مدى شرعية التدخل الأمريكي في فنزويلا لاعتقال رئيسها، بين مرحب ومندد وشامت ومحايد، وساكت وحائر كما هو حال نظام العصابة الحاكمة في الجزائر والحليف الاستراتيجي للرئيس المخلوع، الذي اكتفت وكالة أنبائه الرسمية وقنواته التلفزية، بعد صمت رهيب، بجملة خبرية قصيرة ظاهرها الحياد واللامبالاة، ومضمونها الخسة والنذالة والغدر، والتنكر السريع لهذا الحليف، تقول: “توقيف نيكولاس مادورو واقتياده إلى خارج البلاد…” بدل ما كان متوقعا ومأمولا من العصابة أن تصرح به من ألفاظ مطابقة ومناسبة لما تسميه بالمواقف المبدئية والثابتة، وأقلها ألفاظ الاستنكار والتنديد من مثل القول بالاختطاف والاحتجاز والغزو والاعتداء عوض التوقيف المتنكر لحليف وخل وفي، دافع بشراسة وقوة عن ما سماه تبون العصابة بـ”أمهات القضايا” المشتركة بين البلدين، قبل أشهر، ليصير مجهولا اليوم، متجاهلا متروكا لمصيره وكأنه لا يعني العصابة في شيء، إلا في كونه شخصا أجنبيا بعيدا هاربا من العدالة مطلوبا للمحاكمة، تم ضبطه وتوقيفه. بغض النظر عن كل هذا الجدل حول الموقف القانوني والسياسي من التصرف الأمريكي حيال رأس نظام فنزويلا، فإن جميع دول العالم بما فيها التكتلات الإقليمية، وبمن فيهم أقرب حلفاء مادورو وشركائه، صدرت عنها مواقف وبيانات في هذه النازلة، تعكس بالدرجة الأولى دفاعها، أولا وقبل كل شيء، عن صفقاتها ومصالحها الإقليمية والدولية، دون أن تتجاوز ذلك إلى المغامرة والمقامرة في قضايا خاسرة وتافهة كقضية رئيس دولة فاشل وطاغية أساء التصرف وجلب لبلده وشعبه عداءات مجانية، فضلا عن إغراقه فنزويلا الغنية ببترولها ومعادنها النفيسة وكفاءاتها البشرية في الفقر والحرمان والهجرة والمخدرات والإرهاب.

وفي هذا السياق، فإن بلدنا أبعد ما يكون عن هذه النازلة أو الأزمة التي لا تهم إلا الشعب الفنزويلي، الذي نكن له ولسيادته ووحدته الترابية كل الاحترام، بناء على المواقف الثابتة للمغرب في سياسته الدولية، وعلى توجهات الديبلوماسية المغربية، النائية بنفسها عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والداعمة للسلام وتغليب منطق التفاوض والحوار في النزاعات الإقليمية والدولية، وبناء أيضا على أنه ومنذ تنصيب مادورو رئيسا لفنزويلا تصاعدت من نظامه سلسلة من الأعمال العدائية ضد الوحدة الترابية للمغرب، لم تكتف بإعلان مواقف عادية داعمة للأطروحة الانفصالية الجزائرية، بل تعدت الخطوط الحمراء إلى التحريض على حمل السلاح ضد المغرب، وترصده في المحافل الدولية إلى حد التدخل لمحاولة منع إلقاء كلمة للمغرب، واستقبال ابن بطوش رئيس ميليشيا بوليساريو كزعيم دولة وتوشيحه وتشجيعه على مواصلة جرائمه في منطقتنا المغاربية، بتنسيق تام مع عصابة جزائرية أفشل منه، لزعزعة أمن المنطقة وفتحها على المتاجرة في البشر والممنوعات من الكوكايين والمخدرات الصلبة والمواد المهربة… وكان تصعيد هذه الأعمال العدائية من طرف النظام الفينزويلي ضد المغرب من بين أسباب توتر العلاقات بين المغرب وفنزويلا، وإغلاق سفارة المغرب في كاراكاس وخفض التمثيلية الديبلوماسية. ورغم ضبط المغرب نفسه وابتعاده عن الدخول في ردود أفعال مجانية أو مناوشات مع نظام مادورو، وأمله في التغيير الذي كان يعتمل في الساحة السياسية الفنزويلية، وظهور مواقف سياسية لنخب وتيارات حزبية تملك رؤية تصحيحية واضحة للعلاقات المغربية الفنزويلية على أساس احترام الوحدة الترابية للمغرب ودعم المسار الأممي السلمي التفاوضي لحل النزاع المفتعل حول الصحراء، إلا أن مغامرات الرئيس مادورو وحكمه البلاد بالحديد والنار، ورهنه لمستقبل ومصالح بلده في تحالفاته مع الأنظمة الفاشلة والمارقة والعصابات الإرهابية والميليشيات الانفصالية المسلحة ومافيات المخدرات والفساد والهجرة السرية، فتحت عليه وعلى بلاده أبواب العزلة والحصار والنبذ، وكذلك المحاسبة التي سهلت على واشنطن مهمة التقاط مادورو من وسط حراسه وفي ذهول تام من شعبه الذي يرزح تحت عتبات الفقر والحرمان والاضطهاد والاستبداد والهجرة في المنافي، دون أن يحرك لا حليف ولا شريك ولا صديق ساكنا، إلا من بعض الأصوات الخافتة والعابرة التي استرجعت خطاب الشرعية الدولية والأممية للتضامن مع الرئيس المخلوع، والتنديد بالتدخل في السيادة الفنزويلية والمساس بوحدتها الترابية، متناسية أن الوحدة الترابية لكل الدول مبدأ لا يتجزأ ولا يكال فيه بمكيالين. فهذا الرئيس الطاغية المتباكى عليه باسم السيادة والوحدة الترابية لبلده، كان ألذ خصوم الوحدة الترابية لمملكتنا الشريفة، وأشد أعدائها تحريضا على تقسيم المغرب وتخريبه ودعم ميليشيات الانفصال على حدوده، بكل ما أوتي من خطابة وسلاح ومال وعلاقات.

فهل المطلوب منا نحن المغاربة أن نتعاطف سياسيا وقانونيا وحتى أخلاقيا مع من سعى وظل يسعى لخراب وطننا، كما خرب وطنه، فقط لأن الولايات المتحدة قررت إزاحته بحجة تهديده لمصالحها وسيادتها، ولو بطريقة خارج الشرعية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة، تلك الشرعية والمواثيق التي ظل المغرب ولا يزال محترما لها متمسكا بها ومحتكما إليها لإنصافه مِن ظُلم مَن دافع المغاربة يوما وضحوا من أجل استقلاله وحريته ووحدته الترابية، فراهن على تمزيق المغرب وخلق كيانات انفصالية تقضي على وحدته وهويته، مدعومة من أمثال مادورو ومن والاه.

إن مقدسات ومصالح بلدنا وشعبنا، وهي مقدسات نبيلة ومصالح عادلة ومشروعة غير موجهة ضد أي كان، وعلى رأسها وحدتنا الترابية وسيادتنا الوطنية، هي المعيار الذي نقيس به ولاءنا لصديق وبراءنا من عدو اختار صفه ومحور شره، فإن سقط أو أسقط فقد سقط رهان عدواني وانحل حلف شيطاني ورد كيد إلى نحر كائد، وتلك عاقبة الطائشين والمجرمين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock