اختتمت يوم الأحد الماضي فعاليات بطولة كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم لدورة 2025 التي استضافتها بلادنا بكل جدارة واستحقاق، وشارك في التباري على الكأس منتخبنا الوطني مشاركة مشرفة بلغ فيها دور النهائي في مواجهة المنتخب السينغالي، وكان منتخبنا الوطني قاب قوسين من التتويج بهذه البطولة، لولا أن منطق كرة القدم اقتضى أن يكون ثمة رابح وخاسر بين قويين متساويين في الندية، وصلا إلى نقطة النهاية والحسم التي تتدخل فيها عوامل مركبة تبلغ درجة المفاجأة، ويصعب التحكم في نتائجها وأجوائها المشحونة والضاغطة، بمجرد الكفاءة والأداء الرياضي، فثمة تفاصيل صغيرة من الحظوظ والتقديرات والتوازنات، قد ترتقي لتشكل عامل الحسم في مثل هذه الاستحقاقات.
لن نكون قاسين على لاعبينا وأبطالنا أسود الأطلس ومدربهم الوطني على تضييع فرص للفوز، فلطالما أبهرتنا الفرص الكبيرة والكثيرة التي أحسنوا استغلالها للوصول إلى خط النهاية، مخلفين وراءهم منتخبات إفريقية عريقة وقوية لم يسعفها الحظ، وكانت من أقوى المرشحين بالإجماع للصعود إلى منصة التتويج.
انتهت فعاليات هذه البطولة بكل ما حققته من نجاحات وما كرسته من تفوق مغربي في تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، وإجهاض الرهانات الكثيرة على كسره وإفساد العرس الإفريقي في البيت المغربي، وبكل ما حققه منتخبنا الوطني، رغم الأخطاء والعثرات، من تشريف رياضي لوطنه ولإفريقيا الحرة والأبية. وبانتهاء هذه الفعاليات الرياضية تبقى الدروس العميقة والثمينة لنهضتنا الكروية الوطنية والقارية هي خير ما يمكن استخلاصه واعتماده لمواصلة مسيرة التقدم، وتحويل العثرات والاختلالات والتحديات إلى فرص للنهوض وتقديم حلول مبتكرة، وإلى دافع للتطوير.
ومن هذه الدروس أنه بعد الإنجاز المغربي لصالح الكرة الإفريقية في كأس العالم بقطر، صارت كل المنتخبات الكروية الإفريقية لا تطمح فحسب في المشاركة وبلوغ ثمن أو ربع النهائي، وإنما رفعت سقف التحدي للفوز بالبطولات والعودة بالكؤوس والتتويجات إلى بلدانها، وبالكاد يمكن التمييز بين المنتخبات الإفريقية من حيث الضعف والقوة، ولم يعد ثمة ثوابت دائمة عن فرق مرشحة للفوز وأخرى مكتفية بمجرد المشاركة، في ظل الحركية المتصاعدة لاستقطاب النخب الكروية الجديدة والمدربين الوطنيين المتمكنين، ووضع الاستراتيجيات والخطط لتقليص الفارق بين الفرق والمنتخبات المتنافسة وخلق المفاجأة والحدث. ومن ثمة فإن منتخبنا الوطني الذي ترشح للفوز كان يعي بهذا المعطى والمتغير، وحضر نفسه جيدا لمواجهة تقلبات اللعبة الكروية الإفريقية التي تجري في ميدان الملاعب، بغض النظر عن لعبة أخرى غير رياضية تجري بقوة وراء الستار وتمزق وتطحن الأخضر واليابس في طريقها إلى التحكم في النتائج وإفساد الفرحة وتسميمها، وتجعل المباريات الرياضية أقرب إلى معارك دموية وخدع حربية مدمرة، لا علاقة لها بمبادئ الكرة وأهدافها في التقريب بين الشعوب واحترام القوانين والالتزام بها، والتدريب على الشفافية والتنافسية الشريفة والنبيلة والروح الرياضية العالية التي تقبل بخسارة لعبة، وبقاء صداقات وعلاقات وذكريات طيبة عن مواجهات نظيفة وفرجة ممتعة.
ومن الدروس المستخلصة لنا أيضا أن الطريق إلى نهضة إفريقية حقيقية وغير مزيفة، ليس كرويا فحسب، وإنما في كل المجالات الثقافية والفكرية والروحية والتنموية والحقوقية والتعاونية والتضامنية، طريق شاق وطويل محفوف بالمكاره والنوايا السيئة، ويتطلب صبرا شديدا وحكمة بالغة وبعد نظر، ورؤية مستقبلية عميقة تتجاوز توترات اللحظة وتشكيكات وإحباطات المشككين والمثبطين، وتراهن على الانتصار في النهاية للروح الرياضية التي كُتب على المغرب أن يقدم نموذجا عنها ويبرهن بالفعل عن ريادته في دعمها وإشاعتها والتمرين عليها، ولو اقتضى منه الأمر أن تفرض عليه الظروف والمحن أن يخسر كأسا، ويربح قيمة وصورة وسمعة، ليس له فحسب، وإنما لكل إفريقيا التي ترزح تحت أزمات طاحنة، أقلها شحن الشعوب ضد بعضها، والتحريش بين الدول، والتمكين لخطاب الكراهية والعداء والحقد، باستغلال الرياضة في تصفية حسابات داخلية أو خارجية لا علاقة لها بالثقافة والتربية الرياضيتين، ولا بأهدافهما في التقريب بين الشعوب والتلاقي على قيم التعايش والتدافع السلمي والتنافس الشريف.
ولأننا في المغرب قد اخترنا الانفتاح نهجا، وسياسة رابح- رابح ولا غالب ولا مغلوب في مقاربة الانتصارات والإخفاقات، واخترنا الحكمة والحوار والتهدئة سبيلا للتواصل والتفاهم، وتجفيف منابع الظلم والعنف والإقصاء والكراهية، فإنه لا يمكننا إلا أن ندفع ثمن هذا الاختيار الحق والصائب، وثمن قيادة وريادة النجاحات في سبيل دعم الاستقرار والعلاقات الطيبة بين الشعوب والدول، وتفويت الفرص على المبتزين والمساومين ومتصيدي السقطات والأخطاء ومفتعليها للإساءة لصورة وسمعة مغرب الأمن والأمان والاستقرار والتعايش والحريات والحقوق، وكذا الصداقات العريقة والعميقة التي يحرص عليها أيما حرص، وهي أكبر بكثير من كأس محدودة في بطولة، لا يمكن للرهان عليها أن يساوي ولو بقدر ضئيل رهاناتنا الكبرى على علاقاتنا الأخوية الإفريقية، وعلى مشاريعنا الاستراتيجية الهامة للانفتاح والربط وتبادل المصالح والمنافع.
ليس لنا في خضم ما ينتظرنا من استحقاقات رياضية عالمية أخرى وفي سياق الشهادات العالمية الدامغة عن حسن تنظيمنا وقوة تأميننا وجودة خدماتنا للمشروع الرياضي الإفريقي في هذه البطولة، إلا أن نبارك لبلادنا وللساهرين على أمنه نجاحهم في هذا الاختبار للمصداقية، وردهم المكائد العاصفة بسلاسة ويقظة عالية، وتقديم الحجة مرة أخرى على جدارة المغرب واستحقاقه تنظيم التظاهرات العالمية الكبرى ومنها كأس العالم، على أعلى مستوى تجهيزاتي وخدماتي وتكنولوجي وأمني وحضاري، ووفق مواصفات دولية معتبرة.
فشكرا لكل من وثق في هذه القدرات والكفاءات المغربية على احتضان الروح الإفريقية التحررية والإنجازات القارية المشرفة، وقدر حق قدره تعاملنا الراقي مع هذه الظرفية من العربدة والتشكيك التي احتملنا فيها، بحكمة وتبصر قيادتنا الملكية الغالية، وصبرنا وسمو أخلاق شعبنا وشيمه العريقة، كل الحملات القذرة التي استهدفت بلادنا بكل صلافة وتطاول وخسة ونذالة، انطلقت أحقادها مع ترشح المغرب لاحتضان هذه الكأس، وقُمعت دسائسها أثناءه وكشفت خططها، ووُضعت تحت الأقدام في اختتام هذا المسلسل البئيس والحقير من الابتزاز والمساومة والفتن المدلهمة كقطع من الليل.

