لم يكن نهائي كأس إفريقيا للأمم مجرد حدث رياضي عابر، بل تحول إلى لحظة كاشفة لتشابك كرة القدم بالسياسة والهوية والانفعال الجماعي داخل الفضاء الإفريقي. فالمباراة التي كان يفترض أن تحسم بمنطق التنافس الرياضي أفرزت توترا غير مسبوق، واحتجاجات وسلوكيات أعادت طرح أسئلة عميقة حول سلطة الحكم ودور الطواقم التقنية وحدود المسؤولية الجماهيرية وطبيعة تدبير المنافسات القارية في سياق مشحون بالرمزية والرهانات الوطنية.
في هذا الحوار، يقدم عبد الرحيم بورقية، أستاذ علم اجتماع الرياضة والإعلام، لـ”رسالة24″ قراءة سوسيولوجية معمقة لما جرى، محللا جذور الأزمة، ومفككا آليات الانفعال الجماعي.

كيف تقرأون، من منظور سوسيولوجي، التحول الذي عرفه نهائي كأس إفريقيا من مباراة تنافسية إلى لحظة توتر جماعي خرجت عن الإطار الرياضي المعتاد؟
يظهر من منظور سوسيولوجي، أن نهائي كأس إفريقيا شهد تحولا واضحا من مباراة تنافسية يفترض أن تحسم على أساس الأداء الرياضي، إلى لحظة توتر جماعي خرجت عن الإطار الرياضي المعتاد. كان من المفترض أن يسير الحدث بشكل طبيعي بحيث يفوز الأفضل دون تحميل المباراة أكثر مما تحتمل غير أن تدخل بعض الجهات المغرضة والمتربصة ومن أطراف معلومة إضافة إلى سلوك المنافس نفسه ساهم في نسف السير العادي للمباراة، وتحويلها إلى مواجهة ذات حمولة رمزية مكثفة أكثر منها مباراة كرة قدم.
ويلاحظ، كما حدث في مباريات سابقة لأندية مغربية مثل الوداد، نهضة بركان، الجيش الملكي، الرجاء، وكذلك المنتخب الوطني في نهائيات 1986 و1988، أن النهائيات الإفريقية تتحول غالبا من أحداث رياضية تنافسية إلى طقوس جماعية مشحونة بالرهانات الرمزية. فالكأس لا تختزل في بعدها الرياضي بل تمثل الاعتراف القاري والكرامة الوطنية والتمثيل الرمزي للأمة، بل وحتى شكلا من أشكال الأمن الاجتماعي في بعض الدول الإفريقية.
إلى أي حد تعكس أحداث النهائي أزمة سلطة داخل الملعب، خاصة في علاقة الحكم بالطواقم التقنية واللاعبين؟
تعكس أحداث النهائي أزمة حقيقية في السلطة الرمزية داخل الحقل الكروي، خصوصا في علاقة الحكم بالطواقم التقنية واللاعبين. فعندما ينظر إلى الحكم باعتباره طرفا غير محايد، يحدث ما وصفه عالم الاجتماع بيير بورديو بانهيار التوافق حول قواعد اللعبة.الحكم يمثل الشرعية القانونية والمؤسساتية، بينما يمثل اللاعبون والطواقم التقنية الشرعية الجماهيرية والعاطفية، ومع اختلال هذا التوازن تفقد القواعد قوتها الرمزية ويفتح المجال للاحتجاج والتشكيك بدل الامتثال.
ورغم أن اللاعبين والمدربين، في العموم تعاملوا بمسؤولية نسبية إلا أن الأجواء المشحونة والضغط النفسي، والتغطية الإعلامية غير المتوازنة أحيانا ساهمت في خلق مناخ فقدت فيه بعض الجماهير السيطرة على انفعالاتها خصوصا حين يعاد تأويل القرارات التحكيمية خارج سياقها الرياضي.
ما الدور الذي لعبته الضغوط النفسية والرمزية لنهائي قاري في تفجير سلوكيات احتجاجية غير مسبوقة؟
تكشف الضغوط النفسية والرمزية المصاحبة لنهائي قاري عن كون الحدث لم يكن مجرد مباراة، بل لحظة مصيرية محملة بانتظارات تاريخية. فقد مثل النهائي فرصة للخلود في سجل الفائزين ما جعل أي خطأ تحكيمي أو حتى إشاعة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي اختبارا للرجولة والوطنية والهوية الجماعية.
وفي ظل نجاح المغرب في التنظيم وتراكم إنجازات منتخباته الوطنية تضاعف الضغط النفسي والرمزي، وظهر ذلك جليا في سلوك الجماهير حيث تحول هذا الضغط إلى سلوك احتجاجي عدواني. وأصبح أي قرار مثير للجدل أو احتكاك بسيط يقرأ باعتباره اعتداء على كرامة الفريق أو الأمة لا مجرد حدث رياضي عابر.
كيف تفسرون سلوك بعض الجماهير التي انتقلت من التشجيع إلى العنف، وهل يرتبط ذلك بثقافة كروية قائمة على الصدام؟
يفسر سلوك بعض الجماهير التي انتقلت من التشجيع إلى العنف بتفاعل معقد بين عوامل اجتماعية وجماعية ورمزية، إضافة إلى تدخل جهات مغرضة تسعى إلى استغلال التوتر لإحداث الفوضى. هؤلاء يعملون على نسف المباريات الكبرى عبر التحريض الإعلامي أو الرقمي، ونشر شائعات أو صور ومقاطع مختزلة تخرج الأحداث من سياقها وتؤجج الغضب الجماهيري.
ولا يعد العنف في هذه الحالة انفعالا عابرا، بل نتيجة مركبة لديناميات جماعية، وانفعالات رمزية وتحريض مباشر تغذيه وسائل الإعلام الرقمية التي تفضل الإثارة والصدام، وتسرع من انتقال الغضب من الفضاء الافتراضي إلى الواقع الميداني.
إلى أي حد تتحمل الطواقم التقنية مسؤولية شحن اللاعبين والجماهير بدل لعب دور التهدئة في المباريات الكبرى؟
تتحمل الطواقم التقنية دورا محوريا في ضبط سلوك اللاعبين والجماهير، بحكم مكانتها كفاعل رمزي داخل الحقل الكروي. ففي هذا النهائي، ساهم بعض أفراد الطاقم بشكل مباشر أو غير مباشر في تأجيج الوضع بدل تهدئته سواء عبر خطاب يوحي بالمظلومية، أو من خلال فقدان الثقة المعلنة في عدالة الحكم.
وأدى هذا السلوك إلى تحويل العنف الرمزي إلى عنف مادي، تجلى في تكسير الكراسي ورمي المتطوعين، وغيرها من الممارسات التي خرجت عن روح المنافسة. فالطاقم التقني بكلمة أو إشارة يمكن أن يشعل أو يطفئ فتيل التوتر ما يجعله مسؤولا أخلاقيا عن إدارة الانفعالات الجماعية في لحظات الذروة.
هل ما وقع في النهائي حالة استثنائية أم مؤشر على اختلالات أعمق في تدبير المنافسات القارية الإفريقية؟
يكشف ما وقع في النهائي عن كونه ليس حادثا معزولا أو استثنائيا، بل عرضا لأزمة هيكلية أعمق في كرة القدم الإفريقية، تشمل ضعف الاحتراف في إدارة الضغوط وتسييس المباريات الكبرى وتسميم العلاقات بين الدول وضعف ثقافة اللعب النظيف وقبول الهزيمة، وهيمنة الانفعالات على منطق الاحتراف المؤسساتي.
وتعمل كرة القدم في إفريقيا كمكببر رمزي للعواطف الاجتماعية، حيث تحتل مكانة مركزية في الخيال الجمعي وأي اضطراب داخل الملعب يعاد تفسيره بسرعة باعتباره ظلما أو إهانة أو فشلا جماعيا. ولا تنتهي المباراة عند صافرة النهاية بل تستمر عبر الخطاب الإعلامي والتداول الاجتماعي، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي التي تعمل كـ”مسرعات عاطفية”، تنشر الغضب والمبالغة والمواجهة دون سياق.
ما الدروس التي يجب أن تستخلصها الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم لتفادي تكرار مثل هذه السيناريوهات مستقبلا؟
تفرض الدروس المستخلصة الاشتغال على ثلاثة مستويات مترابطة مؤسساتيا، عبر إعادة الاعتبار لسلطة القانون الرياضي، وتعزيز استقلالية واحتراف التحكيم وإبعاده عن الضغوط السياسية والإعلامية مع إدماج تكوين نفسي صارم للحكام واللاعبين والطواقم لأن الخطأ جزء من كرة القدم، وقد خسرت أمم كبرى بطولات عالمية دون الانزلاق إلى هذا المستوى.
وثقافيا، عبر نشر ثقافة اللعب النظيف، وإعادة تعريف معنى الفوز والخسارة وتفكيك خطاب “المؤامرة” الذي يؤجج الصراع. وتربويا، عبر إدماج التربية الرياضية القيمية في تكوين اللاعبين باعتبارهم فاعلين اجتماعيين وسفراء لبلدانهم.
كما تبرز ضرورة تحميل الإعلام مسؤولية أخلاقية واضحة والحد من الخطاب الشعبوي سواء في الإعلام الرسمي أو الموازي ووضع بروتوكولات صارمة لإدارة الأزمات وتحميل الطواقم التقنية مسؤولية الانضباط، خاصة أن قرار إخراج اللاعبين كاد أن يخرج المباراة نهائيا عن سياقها الرياضي ويحول الفوز إلى انتصار مشوب بأساليب لا رياضية تفقده نكهته الكاملة.

