عاد ملف تدبير المخاطر الطبيعية إلى صدارة النقاش العمومي بالمغرب، فما جرى بحوض اللوكوس وسد واد المخازن لم يكن مجرد حادث عابر بل إنذار واضح بعمق التحولات المناخية وحدود الجاهزية الترابية. في هذا الحوار، يقدم عمر الودادي، عضو المكتب الوطني للائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، قراءة علمية لما وقع ويفكك خلفيات الارتفاع المفاجئ في واردات السد ومخاطر الامتلاء القياسي وحدود التدخل الاستعجالي، مؤكدا أن حماية الأرواح تبدأ قبل نزول المطر، وأن الوقاية ليست خيارا بل ضرورة تفرضها ذاكرة الماء وتغير المناخ.
كيف تفسرون الزيادة الكبيرة والفجائية في واردات سد واد المخازن خلال الأسبوعين الأخيرين؟ وهل يمكن أن تتكرر هذه الظاهرة؟
إن الزيادة الفجائية في الواردات تعود أساسا إلى التساقطات المطرية المكثفة التي سجلت خلال فترة زمنية قصيرة جدا داخل المجال الترابي لحوض اللوكوس. هذا النمط المناخي أصبح أكثر حضورا في ظل الاضطرابات المناخية العالمية حيث لم نعد أمام أمطار موزعة زمنيا كما كان في السابق بل أمام تساقطات مركزة وقصوى.
لغة الأرقام تبرز خطورة الوضع، إذ إن ما يقارب 75 في المائة من مجموع الواردات التي سجلها حوض اللوكوس منذ بداية شتنبر إلى غاية فبراير جاءت خلال أسبوعين فقط، وهو رقم دال يستوجب التوقف عنده. وبخصوص إمكانية التكرار فإن الظواهر المناخية المتطرفة أصبحت تتكرر بوتيرة أكبر، ما يجعل احتمال تكرار مثل هذه الحالات واردا جدا، ويفرض اعتماد مقاربة جديدة في تدبير المخزون المائي قائمة على الدينامية وضمان هامش أمان دائم داخل السدود.
وصلت نسبة ملء السد إلى حوالي 146 في المائة، ما هي المخاطر الهيدرولوجية والطبيعية المرتبطة بهذا المستوى؟
بلوغ نسبة ملء تناهز 146 في المائة يعني أن السد تجاوز سعته العادية، وهو ما يضعه في وضعية ضغط هيدرولوجي مرتفع. هذا الأمر يستدعي اللجوء إلى التفريغ عبر المفرغات المخصصة لتأمين سلامة المنشأة. وهنا من المهم التأكيد على أن المخاطر الأساسية لا تتعلق بانهيار السد، خاصة أن الوزارة الوصية أكدت سلامة المنشأة وعدم تسجيل أي مؤشرات غير عادية.
غير أن الخطر الحقيقي يكمن في ارتفاع الصبيب المصرف نحو المصب، وما يرافقه من موجات فيضانية، خاصة عند تزامن التفريغ مع السيول الطبيعية والتساقطات المطرية، وهو ما يزيد من الضغط على الأودية، القناطر، والمنشآت الطرقية، وقد يؤدي إلى انجراف التربة، تضرر المسالك، واحتمال وقوع انزلاقات أرضية في بعض المناطق الهشة. لذلك فإن تجاوز نسبة 100 في المائة لا يعني بالضرورة وجود خلل بل يعكس تفعيل آليات السلامة.
ما هي السيناريوهات المحتملة في حال تعذر التحكم في التصريف؟ وهل هناك احتمال لفيضان يؤثر على السهول المحيطة؟
في حال تعذر التحكم في التصريف، سواء لأسباب تقنية أو بسبب استمرار الواردات القوية فإن أخطر سيناريو محتمل يتمثل في استمرار التصريف المرتفع لفترة أطول. هذا الوضع قد يؤدي إلى خروج واد اللوكوس عن مجراه الطبيعي خصوصا في السهول ذات التصريف الضعيف، مثل سهول الغرب والمناطق المحيطة بالقصر الكبير والعرائش.
هذا الاحتمال يبقى واقعيا، نظرا لطبيعة المنطقة المنخفضة وسرعة غمرها بالمياه. ومع ذلك فإن السلطات تعتمد عادة على التفريغ الوقائي والاستباقي لتفادي الوصول إلى هذه المرحلة الحرجة، وقد تم بالفعل تفريغ كميات مهمة تقدر بحوالي 372 مليون متر مكعب ضمن هوامش السلامة ما يعكس حرصا على تقليص المخاطر.
ما مدى استعداد البنية التحتية في المنطقة لمواجهة كوارث محتملة؟
الاستعداد القائم حاليا هو استعداد للتدخل أثناء الكارثة وقد أثبت نجاعته من خلال عمليات الإجلاء الواسعة التي فاقت 120 ألف شخص، وساهمت في تقليص الخسائر البشرية بشكل كبير، بفضل تعبئة القوات المسلحة الملكية، الوقاية المدنية، والسلطات المحلية.
غير أن الإشكال البنيوي يظل قائما، خاصة في السهول ذات التصريف الضعيف والمجالات الحضرية والقروية التي تتعرض للغمر بسبب تشبع التربة ارتفاع صبيب الأودية، وتزامن ذلك مع تفريغ السدود. ومن منظورنا فإن الجاهزية الحقيقية تبدأ قبل الكارثة عبر الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق تدبير المخاطر من خلال إعداد خرائط دقيقة للمخاطر، تحيينها بانتظام ومنع التعمير في المجالات الفيضية مع تنظيم تمارين محاكاة سنوية وجعل المدرسة فضاء أساسيا للتربية على مواجهة الكوارث.
ما أهمية الإفراغ المتحكم فيه، وكيف يساهم في حماية السد والمنطقة المحيطة؟
الإفراغ المتحكم فيه يعد أداة تقنية أساسية لضمان سلامة السدود إذ يتيح خلق حجم عازل داخل الخزان لاستقبال واردات جديدة خلال الأربع والعشرين ساعة الموالية. هذا الإجراء يمنع الوصول إلى وضعيات حرجة قد تفرض تصريفا مفاجئا وبكميات أكبر، وهو ما قد تكون له عواقب وخيمة على المناطق الواقعة في المصب.
كما يسمح هذا النوع من التفريغ بالتنسيق المسبق مع المصالح الترابية لإطلاق التحذيرات وتنفيذ عمليات الإجلاء عند الضرورة. وبناء على المعطيات المتوفرة، فإن ما يتم حاليا هو إجراء وقائي بحت يهدف إلى الحفاظ على سلامة المنشأة وحماية السكان.
لماذا تم اتخاذ قرار إجلاء السكان؟ وهل هناك مناطق أكثر عرضة للخطر؟
قرار الإجلاء يتم اتخاذه عند تلاقي عدة عوامل خطورة، من أمطار غزيرة، فيضانات الأودية، امتلاء السدود، واحتمال ارتفاع التصريف في هذه الحالة يصبح الإجلاء إجراء وقائيا ضروريا.
المناطق الأكثر عرضة هي المناطق المنخفضة القريبة من ضفاف واد اللوكوس، الدواوير الواقعة داخل أو بمحاذاة السهول الفيضية، خاصة تلك التي تعاني من ضعف البنية التحتية قنوات صرف غير كافية، توسع عمراني فوق مجاري المياه وطرق تقطع المسارات الطبيعية للتصريف. وقد شملت عمليات الإجلاء مناطق واسعة بالقصر الكبير العرائش، سيدي قاسم وسيدي سليمان، في إطار مقاربة وقائية تهدف إلى حماية الأرواح.
كيف تؤثر هذه الأمطار القياسية على المخزون المائي الوطني، وعلى الزراعة والمدن القريبة؟
على المستوى الوطني فإن التأثير إيجابي جدا، إذ ساهمت هذه التساقطات في تحسين وضعية المخزون المائي بعد سبع سنوات من الجفاف، حيث بلغت نسبة ملء السدود حوالي 62 في المائة، مقارنة بوضع مقلق خلال السنة الماضية.
أما على المستوى المحلي، فهناك آثار سلبية مؤقتة مرتبطة بالغمر من خسائر في بعض المحاصيل الزراعية والبنيات التحتية والطرقية ومع ذلك، تبقى الأمطار كنزا مائيا حقيقيا، شريطة أن تتم إدارتها بفعالية من خلال الوقاية حماية مجاري السيول، وإبطاء جريان المياه.
ما هي دروس مستخلصة من هذه الفيضانات؟
الفيضانات لا تبدأ مع نزول المطر، بل مع تجاهل العلم لأن كل الحلول تنطلق من أساس علمي فالوقاية تبدأ قبل تشكل الغيوم لا بعد وقوع الفاجعة والتغير المناخي أصبح حقيقة علمية مثبتة، لكن حجم الخسائر يظل قرارا بشريا مرتبطا بالتخطيط. فالماء لا ينسى مجراه والبناء داخل ذاكرة الفيضان هو تأجيل للكوارث.
ما نشهده اليوم من تدخلات ناجحة ينقذ الأرواح، لكنه لا يعوض الوقاية التي تمنع الكارثة. خرائط المخاطر يجب أن تتحول إلى خرائط نجاة محينة بانتظام مع إدماج التربية البيئية وتدبير المخاطر داخل المدرسة، باعتبارها خط الدفاع البعيد. بهذه المقاربة فقط يمكن بناء مدن مغربية أكثر صمودا، لأن البيئة لا تنتقم لكنها تسترجع حقها متى أرادت.

