آخر أخبارحديث الأربعاءرأي

دلالة الانسحاب والانتخاب

فرضت إيطاليا على غرار العديد من الدول والاتحادات والمجموعات الدولية الشريكة لإفريقيا عدم إقحام الاتحاد الإفريقي لجماعة بوليساريو في مؤتمرات القمة التي تجمع الدول الإفريقية بنظيراتها من القارات الأخرى، منهية بذلك من جانبها مهزلة ظلت ولا تزال تلاحق القارة الإفريقية بالعار والشنار والفوضى، كلما جمعتها المجامع بشركائها الدوليين لبحث شراكات تنموية وأمنية لا صلة لكيانات وهمية مندسة أو ميليشيات مسلحة بها. وقد جاء هذا القرار الإيطالي الحاسم والرافض للجلوس مع الكيان الوهمي في اجتماع مسؤول، مباشرة بعد كيل رئيس دولة العصابة الجزائرية سيلا من المديح لإيطاليا على خلفية ما يسميه دائما بتطابق وجهات النظر بين الجزائر وإيطاليا في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، والتي بدا أنها ليست كما يزعم هذا التبون أو يعتقد، مع موعد القمة الإفريقية الإيطالية التي بذلت ديبلوماسيته كالعادة جهودا في الكواليس لدس مقعد لبوليساريو في هذه القمة، قبل أن يعترضه الفيتو الإيطالي، ويسحب البساط من تحت أقدام الأطروحة الانفصالية الجزائرية ويرجم التبون بأحجاره.

إن تطابق وجهات النظر بين الدول الأوروبية بشأن نزاع الصحراء وبشأن حله، ينسجم بقوة مع الشرعية الدولية التي أنهت عقودا من المناورة والابتزاز، بالقرار الأخير لمجلس الأمن والقاضي باعتماد المقترح المغربي للحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية تحت السيادة المغربية. ومن أعاجيب نظام العصابة وغرائبه أنه لا يتابع تطورات الأحداث، ولا يستشرف المستقبل، ولا يقرأ جيدا مستجدات مواقف الدول التي يرتبط معها بشراكات وعلاقات وصداقات مثل إيطاليا، ومن هذه المستجدات خروج الدول الـ 27 للاتحاد الأوروبي مجتمعة، خلال شهر يناير الفارط، بقرار جماعي داعم للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مما شكل تطورا كبيرا في اتجاه الوضوح، وتوحيد الرؤية، وسد الباب بصفة نهائية على الأطروحة الانفصالية الجزائرية. ومن ثمة التحقت دولة إيطاليا، التي تحاول العصابة عزل مواقفها من نزاع الصحراء عن نظيراتها من دول الاتحاد الأوروبي، بإسبانيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ومنها من اتخذت العصابة مواقف عدائية واستفزازية ضدها، فقط بسبب الاعتراف بمغربية الصحراء، وبسمو مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد وعملي وواقعي وذي مصداقية لتسوية النزاع المفتعل حولها.

فهل يجرؤ التبون وعصابته على استفزاز إيطاليا وابتزازها بسلاح الغاز لأنها اختارت صفها الأوروبي، والتزمت بتطابق مواقفها مع الشرعية الدولية، وليس بتطابقها مع الموقف الجزائري الانفصالي المتجاوز والمعزول؟ أم سيضلل من جديد قطيعه بادعاء أن لا تغيير في مواقف إيطاليا، ويتأول مشاركة إيطاليا حلفاءها الأوروبيين الموقف الإيجابي الداعم للحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية، على أنه مسألة داخلية للجماعة الأوروبية وللاتحاد الأوروبي، لا تعني بالتحديد إيطاليا كدولة مستقلة بقرارها وذات سيادة ومواقف متميزة، وخاصة تلك التي تتقاسمها مع الجزائر… فها هي إيطاليا منفردة عن الاتحاد الأوروبي لم تقبل في قمة أديس أبابا التي جمعتها مع الاتحاد الإفريقي يوم 13 فبراير الجاري، أن تشرك الكيان الانفصالي في أي اجتماع أو قرار، مع أنه عضو مدسوس في هذا الاتحاد، معلنة بذلك؛ أن شراكتها مع إفريقيا هي مع الدول الأربعة والخمسين المعترف بها، وكاملة العضوية في الأمم المتحدة، واضعة حدا فاصلا في علاقاتها مع الجزائر بين مبادلات اقتصادية وتجارية متوافق عليها، ومرحب بها بين الطرفين، ومواقف سياسية متباعدة ومختلفة بل ومتناقضة، خصوصا تلك المواقف المتعلقة بالصحراء المغربية التي تتبنى الجزائر بشأنها أطروحة الانفصال ومناهضة مخطط الحكم الذاتي، بينما تتبنى إيطاليا بشأنها الموقف الأوروبي الموحد القاضي بدعم مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.

ومن الدروس التي لم تحفظها العصابة الحاكمة في الجزائر وهي تواصل سيرها المعزول نحو المجهول، وبالتزامن مع انعقاد القمة الإيطالية الإفريقية التي عادت منها الحثالة الديبلوماسية للعصابة بخفي حنين، ظلت تراهن على ترشيح الكيان الانفصالي الوهمي لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، معتقدة أن بإمكانه أن ينتخب عضوا في هذا المجلس بعد حشد الدعم له، غير أنه وفي آخر ساعات إغلاق ملف الترشيحات، سحب الكيان ومعه العصابة المحتضنة ترشيحه للعضوية، ليس بسبب ما ادعاه من دعم ترشيح ليبيا، بل لإدراكه أن لعبة الاندساس في المؤسسات الإفريقية قد انتهت، وأن لا أحد خارج دولتين أو ثلاث دول، سيصوت على كيان وهمي انفصالي مسلح مقحم على إفريقيا، في أحد أهم أجهزة منظمة الاتحاد الإفريقي التي تُعنى بالسلم والأمن والاستقرار… وفي المقابل تمت إعادة الثقة في المغرب والتصويت عليه لولاية ثالثة كعضو بهذا المجلس، ومن الدور الأول للاقتراع، وبأزيد من 34 صوتا، وهو انتخاب لا يعكس فقط الثقة والمكانة الوازنة اللتين يحظى بهما المغرب في إفريقيا في مواجهة خصومه، بالقدر الذي يعكس حاجة إفريقيا إلى الدور المغربي الفعال في الوقاية من الآفات والأزمات والتوترات، وإلى الاستفادة من القوة الاقتراحية المغربية في مجالات التعاون الأمني، والشراكة التنموية، وتعزيز العمل الإفريقي المشترك في اتجاه تكريس الحلول الإفريقية لمعضلات الأمن في كل مجالاته السياسية والصحية والاقتصادية والغذائية والمائية والروحية، وهي المجالات التي لا يمكن التداول فيها مع كيان وهمي مَثَّل ولا يزال دور المعرقل للجهود، والمهدد للسلام، والمزعزع للأمن والاستقرار، مثله في ذلك مثل الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة وعصابات التهريب والجريمة المنظمة، التي تشكوها إفريقيا لمجلس السلم والأمن. إن الكيان المنسحب والمسحوب خارج الرؤية الإفريقية 2036، تحت شعار: “إفريقيا موحدة ومزدهرة ومسالمة” يدرك تماما أنه مجرد مخلب قط وطابور خامس، وأداة لتصريف أحقاد وتعطيل الرؤية أو الأجندة الإفريقية، ورهنها، إلى ما لانهاية، بنزاع معزول ومفتعل انقرضت كل مبرراته، ولن تقدم فيه القارة أكثر مما قدمه المنتظم الأممي وقرار مجلس الأمن 2797 القاضي بحل النزاع نهائيا بتنزيل مقترح الحكم الذاتي في الصحراء ضمن السيادة المغربية.

لقد شكل انسحاب الكيان الانفصالي من منافسة قارية، توقع خسارتها وبشكل مدو، بالإضافة إلى إعادة انتخاب المغرب بثلثي الأصوات الإفريقية، مؤشرا جديدا على اقتراب نهاية آخر فصول هذه الملهاة التي طال مسلسلها في أروقة الاتحاد الإفريقي، متسببة في إحراج هذه المنظمة القارية أمام نظيراتها من قارات المعمور، ومع شركائها الدوليين الوازنين الذين لم يعودوا يرغبون في سماع الصوت النشاز الناعق في الملتقيات المسؤولة التي تجمعهم بالاتحاد الإفريقي.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock