مع تزايد الإقبال على جراحات علاج السمنة، خاصة عملية تكميم المعدة، يطرح عدد من المرضى تساؤلات ملحة مع اقتراب شهر رمضان حول مدى قدرتهم على الصيام بأمان والفترة الزمنية المناسبة لذلك، وأبرز الاحتياطات الواجب احترامها لتفادي المضاعفات. في هذا الحوار، يقدم الدكتور محمد أشرقي، أخصائي أمراض الجهاز الهضمي والعلاج بالمنظار، توضيحات طبية دقيقة حول المعايير المعتمدة لتقييم جاهزية المريض للصيام بعد التكميم، والفروق بين التقنيات الجراحية.
بعد إجراء عملية تكميم المعدة، ما المعايير الطبية التي تحدد إمكانية صيام المريض خلال شهر رمضان بأمان؟
قبل الحديث عن الصيام، من الضروري توضيح أن مصطلح “تكميم المعدة” قد يستعمل للدلالة على تقنيات مختلفة. فهناك التكميم الجراحي بالمنظار (Laparoscopic Sleeve Gastrectomy)، حيث يتم استئصال جزء كبير من المعدة وتصغير حجمها بشكل دائم، وهناك تقنيات أخرى أقل تعقيدا تعتمد على الخياطة أو التضييق دون استئصال واسع. لذلك، فإن تقييم إمكانية الصيام يرتبط أولا بنوع العملية المجراة.
طبيا، إذا مرت المرحلة الأولى بعد الجراحة دون مضاعفات مثل التسرب (الفستولة) أو النزيف أو التضيق، وكان المريض في حالة عامة مستقرة، وقادرا على شرب السوائل وتناول كميات صغيرة من الطعام دون قيء أو آلام، فإن الصيام يكون ممكنا. كما يراعى استقرار الوزن، وعدم وجود فقر دم شديد أو نقص حاد في الفيتامينات، إضافة إلى قدرة المريض على الالتزام بنمط غذائي منظم بين الإفطار والسحور. في الحالات التي أجريت فيها العملية بطريقة بسيطة دون استئصال كبير، فإن القيود تكون أقل وغالبا لا يشكل الصيام أي إشكال بعد التعافي الأولي.
ما المدة الزمنية التي ينبغي انتظارها بعد عملية التكميم قبل التفكير في الصيام، وهل تختلف حسب حالة كل مريض؟
المدة الزمنية تختلف باختلاف التقنية الجراحية وحالة المريض الصحية. في حالة التكميم الاستئصالي بالمنظار، ينصح عادة بانتظار ما لا يقل عن شهر بعد العملية، حتى تلتئم المعدة بشكل جيد، ويستقر النظام الغذائي التدريجي الذي يبدأ بالسوائل ثم الأطعمة اللينة فالعادية. هذا الشهر يعتبر مرحلة أساسية لمراقبة أي مضاعفات محتملة، مثل التسرب أو الالتهابات أو صعوبة البلع. أما في الإجراءات التي تعتمد فقط على الخياطة أو التضييق دون استئصال واسع، فقد تكون فترة التعافي أقصر وفي بعض الحالات يمكن التفكير في الصيام بعد أيام قليلة إذا كانت الحالة مستقرة وتحت إشراف طبي. ومع ذلك، يظل القرار فرديا يتخذ بناء على تقييم سريري دقيق يشمل الفحوصات المخبرية وحالة التغذية العامة.
هل يمنع الأشخاص الذين خضعوا لعملية تكميم المعدة من الصيام نهائيا، أم يمكنهم الصيام وفق ضوابط طبية معينة؟
لا يوجد منع نهائي للصيام لمجرد إجراء عملية التكميم، بل إن أغلب المرضى يستطيعون الصيام بأمان بعد انتهاء فترة التعافي، شريطة الالتزام بتوصيات غذائية واضحة. أهم الضوابط تتمثل في تجنب تناول كميات كبيرة دفعة واحدة، لأن المعدة بعد التكميم تصبح ذات سعة محدودة جدا، ما قد يؤدي إلى آلام أو قيء أو تمدد غير مرغوب فيه. لذلك ينصح بتقسيم الطعام إلى حصص صغيرة ومتعددة، وتناول الطعام ببطء مع مضغ جيد، وتجنب المشروبات الغازية والسكريات المركزة. كما يجب الاستمرار في المكملات الغذائية الموصوفة، خاصة الحديد وفيتامين ب12 والكالسيوم، لتفادي أي نقص قد يتفاقم مع الصيام.
ما أبرز المخاطر المحتملة لصيام من خضعوا للتكميم وكيف يمكن الوقاية منها؟
في حال احترام الفترة الزمنية الموصى بها بعد الجراحة فإن المخاطر تكون محدودة. غير أن بعض المضاعفات قد تظهر إذا لم يحترم النظام الغذائي مثل الجفاف نتيجة قلة شرب السوائل بين الإفطار والسحور، أو انخفاض مستوى السكر، أو الشعور بالإرهاق بسبب نقص السعرات. كما قد يعاني بعض المرضى من آلام معدية أو قيء إذا تناولوا كميات تفوق قدرة المعدة المصغّرة. أما المضاعفات الجراحية الخطيرة مثل التسرب أو التقرح، فهي غالبا تظهر في الفترة المبكرة بعد العملية، ولذلك يشدد على عدم الصيام قبل اكتمال التعافي. الوقاية ترتكز على شرب كميات كافية من الماء موزعة على ساعات الإفطار الالتزام بالمكملات، والمتابعة الطبية الدورية، خاصة في السنة الأولى بعد الجراحة.
كيف ينبغي تنظيم الوجبات بين الإفطار والسحور لمريض التكميم خلال رمضان لضمان توازن التغذية وتفادي المضاعفات الهضمية؟
تنظيم الوجبات يعد حجر الزاوية في صيام مريض التكميم. يُفضّل تقسيم الفترة بين الإفطار والسحور إلى أربع أو خمس وجبات صغيرة بدل وجبتين كبيرتين. يبدأ الإفطار بكمية بسيطة من السوائل، ثم بعد فترة قصيرة وجبة خفيفة غنية بالبروتين مثل البيض أو السمك أو الدجاج، لأن البروتين عنصر أساسي للحفاظ على الكتلة العضلية. توزع الوجبات اللاحقة بكميات معتدلة، مع تجنب الدهون الثقيلة والمقليات والحلويات المركزة. أما السحور فيجب أن يكون خفيفا ومتوازنا، يضم بروتينا وأليافا مع كمية كافية من الماء لتقليل خطر الجفاف خلال النهار. كما ينبغي التذكير بأن الحديث هنا يخص عملية التكميم تحديدا وليس جراحة تحويل المسار (Bypass) التي تختلف في طبيعتها وتأثيرها الغذائي، ولكل عملية خصوصيتها من حيث التوصيات الطبية.

