آخر أخباراقتصادمستجدات

كيف تصنع الحروب أزمات الطاقة؟

لم يعد النفط مجرد مادة خام تستخرج من باطن الأرض، بل أصبح مؤشرا فوريا لدرجة التوتر في العالم. فكل طلقة في منطقة إنتاج، وكل بيان عسكري في ممر بحري حساس، ينعكس خلال دقائق على شاشات البورصات. ويثبت التاريخ الحديث  أن السوق لا ينتظر وقوع الكارثة، بل يتفاعل مع احتمالها، ويسعر الخطر قبل أن يتحول إلى واقع.

من الحظر إلى الهيمنة

في سبعينيات القرن الماضي، وتحديدا بعد حرب أكتوبر 1973، وجد العالم الصناعي نفسه أمام درس قاسٍ في الاعتماد المفرط على الطاقة المستوردة. وأحدث  قرار الحظر النفطي العربي قفزة غير مسبوقة في الأسعار وأدخل اقتصادات كبرى في ركود تضخمي طويل. منذ تلك اللحظة، برز اسم منظمة الدول المصدرة للنفط كلاعب مركزي قادر على التأثير في توازن العرض والطلب، ولم يعد النفط سلعة عادية بل ورقة ضغط استراتيجية.

الخليج… مركز الثقل الدائم

تكررت الصدمة سنة 1990 مع غزو العراق للكويت، حين ارتفعت الأسعار بوتيرة متسارعة خوفا من اتساع النزاع إلى بقية دول الخليج. حينها أدركت الأسواق أن أمن الإمدادات لا يرتبط بالإنتاج فقط، بل بأمان الممرات البحرية أيضا، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة وازنة من تجارة الطاقة العالمية. أي تهديد لهذا الشريان كفيل بإرباك الحسابات الاقتصادية في آسيا وأوروبا وأميركا.

صدمة أوروبا الشرقية

 جاءت الحرب الروسية–الأوكرانية بعد ثلاثة عقود تقريبا،  لتؤكد مجددا هشاشة السوق. العقوبات الغربية وإعادة توجيه الصادرات الروسية أحدثتا اضطرابا واسعا في تدفقات النفط والغاز، ودفع خام برنت إلى مستويات مرتفعة في وقت قياسي.كانت الرسالة واضحة: حتى في ظل تنوع المنتجين، يبقى التوازن العالمي دقيقا وحساسا لأي خلل مفاجئ.

أسواق المال في وضع التأهب

عادة ما تكون أسواق الأسهم أول من يتأثر، حيث تتراجع المؤشرات في الساعات الأولى لأي تصعيد. في المقابل، تسجل أسهم شركات الطاقة والدفاع مكاسب ملحوظة. أما الذهب فيستعيد بريقه التقليدي كملاذ آمن، فيما يتعزز الطلب على الدولار وسندات الخزانة الأميركية باعتبارها أصولاً أقل مخاطرة.

التضخم… الأثر غير المباشر

 ويرى خبراء الاقتصاد أن الخطر الأكبر لا يكمن في السعر المرتفع بحد ذاته، بل في ما يجره من آثار. فزيادة تكلفة البرميل تعني ارتفاع تكاليف النقل والتصنيع، ومن ثم انتقال الضغط إلى أسعار السلع الاستهلاكية. هذا السيناريو يعقد قرارات البنوك المركزية، التي تجد نفسها بين خيار تشديد السياسة النقدية لكبح التضخم أو تخفيفها لدعم النمو.

مفارقة الانتقال الطاقي

ورغم الحديث المتزايد عن التحول نحو الطاقات المتجددة، لا يزال النفط يحتفظ بمكانته في قلب الاقتصاد العالمي. بل إن تراجع الاستثمارات في مشاريع الاستكشاف خلال السنوات الأخيرة قد يجعل السوق أكثر عرضة لصدمة مفاجئة، في حال تزامن ارتفاع الطلب مع اضطراب جيوسياسي واسع.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock