كيف تشكلت بداياتك العلمية، وما المسار الأكاديمي الذي قادك إلى البحث في مجال الجراحة والذكاء الاصطناعي في مستشفى أمستردام UMC؟
خلال دراستي للطب في جامعة فريي Universiteit Amsterdam، بدأ اهتمامي بالبحث العلمي مع أطروحة البكالوريوس الخاصة بي، حيث استكشفت للمرة الأولى كيف يمكن للبيانات والتكنولوجيا أن تدعما اتخاذ القرار السريري. وقد أثارت هذه التجربة فضولي بشأن الإمكانات التي توفرها المقاربات المعتمدة على البيانات في مجال الطب.
لاحقًا، أتيحت لي الفرصة لمواصلة هذا المسار البحثي من خلال برنامج MD/PhD، الذي سمح لي ببدء إجراء البحوث إلى جانب تدريبي الطبي. وقد قادني هذا المسار في النهاية إلى مجال البحث في الذكاء الاصطناعي في الجراحة داخل مستشفى Amsterdam UMC.
في أبحاثي، أركز على دمج نماذج التعلم الآلي التنبؤية في جراحة القولون والمستقيم. ويتمثل الهدف في دعم الجراحين بشكل أفضل عند اتخاذ قرارات معقدة أثناء العمليات، على سبيل المثال من خلال التنبؤ بخطر حدوث مضاعفات مثل تسرّب المفاغرة.
ومن الجوانب المهمة في عملي أنني لا أركز فقط على التطوير التقني للخوارزميات، بل أيضا على كيفية استخدام هذه الأنظمة فعليا في الممارسة السريرية. لذلك أشرك في أبحاثي المرضى والعاملين في الرعاية الصحية لفهم كيفية تطبيق الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي بطريقة مسؤولة ومقبولة.
شاركت ضمن فريق بحثي في تطوير نموذج للذكاء الاصطناعي قادر على التنبؤ بالمخاطر أثناء العمليات الجراحية في الوقت الحقيقي. كيف بدأت فكرة هذا المشروع، وما الدور الذي لعبته شخصيا في تطويره؟
نشأت فكرة هذا المشروع من سؤال سريري داخل مجال جراحة القولون والمستقيم. أثناء العمليات الجراحية، يتعين على الجراحين اتخاذ قرارات مستمرة بناء على العديد من العوامل المتعلقة بالمريض، في حين يكون تقدير خطر المضاعفات أحيانا صعبا مسبقا. لذلك أردنا داخل الفريق البحثي في Amsterdam UMC استكشاف ما إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي تحليل البيانات الجراحية في الوقت الحقيقي لدعم الجراحين بشكل أفضل في تقييم المخاطر أثناء العملية.
ومن المهم التأكيد على أن هذا المشروع هو نتيجة تعاون متعدد التخصصات على نطاق واسع. فأنا جزء من فريق أكبر يضم باحثين آخرين في مرحلة الدكتوراه عملوا على المشروع قبلي، إضافة إلى علماء بيانات وخبراء قانون يساهمون في التطوير التقني والتنفيذ المسؤول لهذه التكنولوجيا.
ويركز دوري داخل المشروع على كيفية تطبيق مثل هذه النماذج المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في الممارسة السريرية بطريقة مسؤولة وعملية. ويشمل ذلك جمع البيانات السريرية وتحليلها، وتطوير الخوارزمية وتقييم أدائها. وفي الوقت نفسه، أعمل مع الأطباء والمرضى لفهم كيفية دمج هذه الأنظمة في سير العمل الجراحي بطريقة مفيدة سريريا ومستدامة ومقبولة في الممارسة العملية.
يصف كثيرون هذا الابتكار بأنه خطوة مهمة نحو إدماج الذكاء الاصطناعي داخل غرف العمليات. من وجهة نظرك، ما الذي يجعل هذا النموذج اختراقا مهماوفي مجال الجراحة الحديثة؟
ما يجعل هذا النموذج مثيرا للاهتمام بشكل خاص هو أنه لا يكتفي بإجراء التحليلات قبل العملية الجراحية، بل يستطيع تحليل بيانات المريض بشكل مستمر أثناء الإجراء نفسه وتقديم توقع ديناميكي للمخاطر في الوقت الحقيقي.
في الجراحة، لا تزال العديد من القرارات تُتخذ اعتمادا على الخبرة والحكم السريري. ومن خلال تحليل البيانات في الوقت الحقيقي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يوفر طبقة إضافية من الدعم لهذه القرارات المعقدة.
ويكمن الجانب الابتكاري المحتمل في أن الذكاء الاصطناعي لا يبقى مجرد أداة بحثية، بل يمكن دمجه فعليا في سير العمل السريري داخل غرفة العمليات. وفي إطار الأبحاث التي تجرى في Amsterdam UMC، نسعى إلى إظهار كيف يمكن لمثل هذه التكنولوجيا أن تدعم الجراحين دون أن تحل محل خبرتهم السريرية.
وإذا جرى التحقق من صحة مثل هذه الأنظمة بعناية وتنفيذها بشكل مسؤول، فقد تسهم في اتخاذ قرارات أكثر اعتمادًا على البيانات وفي نهاية المطاف في توفير رعاية جراحية أكثر أمانًا وتخصيصًا للمرضى.
البحث الذي تعملون عليه يمس موضوعا حساسا مرتبطا بسلامة المرضى. ما أبرز التحديات العلمية أو التقنية التي واجهتموها أثناء تطوير هذا النموذج؟
أحد التحديات الرئيسية في تطوير هذه النماذج يتمثل في جودة البيانات السريرية وتعقيدها. ففي غرفة العمليات يتم جمع أنواع مختلفة من البيانات مثل المؤشرات الحيوية، والعوامل الجراحية، وخصائص المرضى. ويعد تنظيم هذه المصادر المتنوعة من البيانات ودمجها بطريقة مناسبة لنماذج التعلم الآلي تحديا تقنيا ومنهجيا.
وتوجد أيضا مسألة مهمة تتعلق بالتحيز في البيانات. فإذا تم تدريب نموذج ما على بيانات تخص مجموعة محددة من المرضى أو مستشفى معين، فقد لا يعمل بنفس الكفاءة في سياقات أخرى. ولهذا السبب يعد التحقق الخارجي وشفافية النماذج جزءا أساسيا من الأبحاث التي نجريها في Amsterdam UMC.
وأخيرا، هناك أسئلة أوسع تتعلق بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في الممارسة السريرية. فعلى سبيل المثال من المهم التفكير في كيفية تأثير أنظمة دعم القرار على مهارات الجراحين وما إذا كان الاعتماد المفرط على الخوارزميات قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تراجع المهارات. لذلك فإن هدفنا ليس استبدال الخبرة السريرية، بل تطوير أنظمة تدعم الجراحين مع إبقاء الحكم البشري في مركز عملية اتخاذ القرار.
بصفتك باحثة شابة تنتمي إلى الكفاءات المغربية في الخارج، كيف تنظرين إلى حضور الباحثين المغاربة في المؤسسات العلمية الدولية؟
يلعب الباحثون المغاربة العاملون في الخارج دورا متزايد الوضوح في المؤسسات العلمية الدولية. وغالبا ما يجلبون معهم وجهات نظر وتجارب متنوعة يمكن أن تسهم في الابتكار وفي معالجة التحديات المعقدة، بما في ذلك في مجالات مثل الجراحة والتكنولوجيا الطبية.
وفي الوقت نفسه، يبرز حضورهم أهمية التعاون الدولي وتبادل المعرفة. فالباحثون الذين ينتقلون بين سياقات أكاديمية وثقافية مختلفة يمكنهم المساهمة في بناء جسور بين المؤسسات والدول، وهو ما يعزز في نهاية المطاف التقدم العلمي.
ومن المشجع رؤية عدد متزايد من الباحثين المغاربة يشاركون في مشاريع دولية وشبكات بحثية. وفي الوقت نفسه من المهم تحويل هذه الخبرة المتنامية إلى خلق فرص بحثية وتعاونات ومبادرات علمية داخل المغرب نفسه حتى تتمكن الأجيال القادمة من الباحثين من الإسهام في تعزيز منظومة البحث والابتكار في البلاد.
هل تعتقدين أن التجارب البحثية التي تعملون عليها حاليا يمكن أن تجد طريقها مستقبلا إلى النظام الصحي في المغرب؟
أعتقد أن المعرفة والخبرة التي نكتسبها من هذا البحث في مجال الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون ذات صلة أيضا بأنظمة الرعاية الصحية مثل النظام الصحي في المغرب. فالنماذج التنبؤية مثل تلك التي نعمل على تطويرها تهدف إلى دعم اتخاذ القرار السريري وتحسين جودة واتساق الرعاية الجراحية، وهي أهداف مهمة في أي نظام صحي.
وفي المغرب، كما هو الحال في العديد من الدول، يظل علاج الحالات المعقدة مثل سرطان القولون والمستقيم تحديا. ويمكن للأدوات المعتمدة على البيانات أن تساعد الأطباء على تقييم المخاطر بشكل أفضل ودعم اتخاذ قرارات علاجية أكثر اطلاعا. وبالطبع، يجب التحقق من هذه التقنيات محليا وتكييفها مع البنية التحتية السريرية والرقمية للمستشفيات المغربية.
وإلى جانب التكنولوجيا نفسها، يمكن لمبادرات من هذا النوع أن تسهم أيضًا في بناء القدرات البحثية وتدريب المهنيين الصحيين على التقنيات الجديدة وتعزيز التعاون بين الأطباء وعلماء البيانات والباحثين داخل المغرب.
ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى الفتيات المغربيات اللواتي يحلمن بمتابعة مسار علمي أو طبي في مجال البحث والابتكار؟
يتطلب العلم والابتكار الفضول والمثابرة والإبداع وهي صفات لا يحددها المكان الذي يأتي منه الإنسان. بل يمكن القول إن وجهات النظر الجديدة والمتنوعة خصوصا من الباحثين الشباب ومن مناطق مختلفة من العالم هي غالبا ما تدفع الابتكار إلى الأمام.
ومن المهم البحث عن الفرص والتعلم من الموجهين والاستمرار في تحدي الذات. قد يبدو المسار المهني في البحث العلمي أحيانا صعبا، لكنه أيضا مجز للغاية لأنه يتيح لك الإسهام في إنتاج المعرفة وتحسين حياة الناس.
وآمل أن ترى مزيد من الشابات في المغرب أن بإمكانهن لعب دور مهم في مجالات مثل الطب والتكنولوجيا والبحث العلمي. فمع العزيمة والشغف من الممكن تماما إحداث تأثير حقيقي وذي معنى.

