بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، تطرح مسألة إنصاف المرأة العاملة في المغرب أسئلة عميقة تتجاوز مجرد حضورها داخل سوق الشغل لتلامس طبيعة البنيات الاجتماعية والاقتصادية التي ما تزال تؤطر هذا الحضور. وفي هذا الحوار، تتحدث الدكتورة إيمان غانمي، رئيسة منظمة المرأة العاملة والمقاولة بالمغرب، عن أبرز التحديات التي تواجه النساء في بيئة العمل، كما تسلط الضوء على أهمية الاعتراف بالقيمة الاقتصادية والاجتماعية للعمل المنزلي باعتباره جزءا أساسيا من منظومة الإنتاج والاستقرار الأسري والمجتمعي.
كيف تقيمن وضعية المرأة العاملة اليوم، وما أبرز التحديات التي ما تزال تواجهها في سوق الشغل؟
إن مقاربة وضعية المرأة العاملة اليوم تقتضي التحرر من القراءات الاختزالية التي تكتفي برصد مؤشرات الحضور العددي للنساء داخل سوق الشغل، لأن المسألة في جوهرها ليست مسألة ولوج شكلي إلى فضاءات العمل، بل مسألة موقع بنيوي داخل منظومة اجتماعية واقتصادية ما تزال تعيد إنتاج التفاوت والتمييز بأشكال متعددة، صريحة حينًا ومضمرة حينا آخر.
صحيح أن النساء المغربيات راكمن، خلال العقود الأخيرة، أشكالا متقدمة من الحضور والكفاءة في ميادين متعددة، وأثبتن قدرة عالية على الاضطلاع بالمسؤولية والإنتاج والتدبير والمبادرة، غير أن هذا التقدم لا ينبغي أن يحجب حقيقة مركزية، وهي أن اندماج النساء في سوق الشغل ما يزال محكوما بسلسلة من القيود البنيوية التي تحد من تحوله إلى مساواة فعلية. فالمشكلة ليست في أهلية المرأة ولا في قدرتها على العطاء، بل في البنيات التي لا تزال تؤطر العمل والسلطة والاعتراف وفق منطق غير متكافئ.
ومن أبرز هذه التحديات استمرار الهوة بين المبدأ والواقع؛ بين المساواة كما تعلن في النصوص، والمساواة كما تُختبر في الحياة المهنية اليومية. فما تزال المرأة تواجه، في عدد من القطاعات، هشاشة في شروط الولوج والاستقرار والترقي، كما تواجه تفاوتًا في التقدير المهني، وصعوبات في بلوغ مواقع القرار، فضلا عن تمركز واسع داخل قطاعات أقل حماية وأضعف أجرًا وأقل قدرة على ضمان الاستقلالية الاقتصادية. غير أن التحدي الأعمق، في تقديري، لا يكمن فقط في اختلالات سوق الشغل بالمعنى الضيق، بل في البنية الاجتماعية التي تُدخل المرأة إلى هذا السوق وهي مثقلة سلفا بعبء الرعاية والتدبير المنزلي والعمل اليومي غير المأجور. وهنا تحديدا تتجلى إحدى أكثر مفارقات النظام الاجتماعي رسوخا: المجتمع ينتفع من عمل النساء في المجالين معا، لكنه لا يعترف بهما بالقدر نفسه. فالمرأة تُطالَب بالإنتاج خارج البيت، وبإعادة إنتاج شروط الحياة داخله، دون أن يقابل ذلك اعتراف متكافئ بالقيمة أو بالحق أو بالمكانة. ومن هذا المنطلق، فإنني أؤكد أن ربة البيت ليست خارج مفهوم العمل، بل تقع في صميمه. فالعمل المنزلي ليس مجرد امتداد أخلاقي للدور الأسري، ولا مجرد التزام وجداني مجرد، بل هو نشاط يومي منتج، له قيمة اجتماعية واقتصادية واضحة، لأنه يؤمن الرعاية، والتنظيم، والتنشئة، وإعادة إنتاج شروط الاستقرار الأسري والمجتمعي. والواقع أن جزءًا معتبرا من التوازن الاجتماعي والاقتصادي قائم على هذا العمل غير المرئي الذي تؤديه النساء، من غير أن يُحتسب بما يكفي على مستوى الاعتراف والإنصاف.
لهذا، فإن الحديث عن المرأة العاملة لا ينبغي أن يظل حبيس التصور الضيق الذي يربط العمل فقط بالأجر المباشر، لأن هذا التصور نفسه يعكس انحيازا تاريخيا في تعريف ما يُعد عملا وما لا يُعد كذلك. والحال أن العدالة تقتضي توسيع مفهوم العمل بحيث يشمل أيضًا ذلك الجهد المنزلي والرعائي غير المأجور الذي بدونه لا تستقيم الأسرة، ولا يستقر المجتمع، ولا تُعاد يوميًا شروط استمرار الاقتصاد نفسه.
ما هي أبرز المبادرات أو البرامج التي تعمل منظمتكم على تنفيذها من أجل دعم وتمكين المرأة العاملة وتحسين ظروف عملها؟
تنطلق منظمة المرأة العاملة والمقاولة بالمغرب من تصور يعتبر أن تمكين النساء لا يمكن أن يُختزل في خطاب تحفيزي أو في مناسبة رمزية، بل هو ورش حقوقي ومؤسساتي ومجتمعي متكامل، يقتضي الاشتغال في آن واحد على مستويات الوعي، والحماية، والترافع، والاقتراح، والتأثير في السياسات العمومية.
في هذا الإطار، نشتغل أولا على مستوى الترافع من أجل ترسيخ شروط أكثر إنصافا داخل فضاءات العمل، بما يعزز الحماية القانونية والمهنية للنساء، ويحد من مختلف أشكال الهشاشة والتمييز والإقصاء الرمزي أو الفعلي من مواقع القرار. كما نولي أهمية خاصة للتمكين المعرفي والحقوقي، لأن الوعي بالحق ليس عنصرا تكميليا، بل هو المدخل الضروري لتحصين النساء من الاستغلال، ولتعزيز قدرتهن على التموقع داخل المجال المهني على أساس الكفاءة والاستحقاق والمواطنة الكاملة.
ونعتبر كذلك أن دعم النساء المقاولات لا يندرج فقط ضمن منطق التنمية الاقتصادية، بل ضمن إعادة بناء شروط الاستقلال الاجتماعي للمرأة. فكل توسيع لهامش الاستقلال الاقتصادي هو، في العمق، توسيع لهامش القرار والكرامة والقدرة على التفاوض داخل المجالين الخاص والعام معا.
غير أن من بين القضايا التي نعتبرها اليوم ذات أولوية فكرية وتشريعية وأخلاقية، قضية الاعتراف بالعمل المنزلي بوصفه إسهاما منتجا في البناء الاقتصادي للأسرة. فنحن نرى أن أي مراجعة جادة لمدونة الأسرة لا تستحضر هذا المعطى تظل مراجعة ناقصة من حيث الفلسفة والعدالة معا. ذلك أن المرأة التي كرست جزءا كبيرا من حياتها للعمل المنزلي والرعائي لم تكن خارج دائرة الإنتاج، بل ساهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في توفير شروط الاستقرار والتراكم داخل الأسرة.
ومن ثم، فإننا نطالب بإقرار قانوني صريح بالقيمة الاقتصادية للعمل المنزلي، والاعتداد به في ترتيب الآثار المالية للعلاقة الأسرية، وفي تقدير المساهمة الفعلية في تكوين الثروة الأسرية وصيانتها. فالمسألة هنا ليست مسألة مجاملة رمزية لعمل النساء داخل البيت، بل تصحيح اختلال تاريخي طالما فصل بين الإنتاج المعترف به والإنتاج الذي يبقى مستترا خلف واجب اجتماعي مفترض.
إننا ندافع عن مقاربة تعتبر أن العمل المنزلي ينبغي أن ينتقل من منطقة اللامرئي إلى مجال الاعتراف القانوني والمؤسساتي، لا باعتباره إحسانا للنساء، بل باعتباره مقتضى من مقتضيات الإنصاف. لأن الأسرة لا تتأسس فقط على الدخل النقدي المباشر، بل تتأسس أيضًا على جهد يومي كثيف في الرعاية والتنظيم والتدبير والتنشئة، وهو جهد تحملت النساء عبئه الأكبر تاريخيا، دون أن يقابله دوما ما يليق به من تقدير قانوني أو حقوقي.
بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، ما الرسالة التي تودون توجيهها للنساء العاملات ولصناع القرار من أجل تعزيز المساواة والإنصاف داخل بيئة العمل؟
رسالتي إلى النساء العاملات هي أن ما ينجزنه يوميا، داخل فضاءات العمل كما داخل البيوت، ليس مساهمة هامشية في المجتمع، بل أحد شروط استمراره وتوازنه. ولذلك فإن المطالبة بالإنصاف ليست ترفا خطابيا، ولا مطلبا فئويا محدودا، بل هي دفاع عن مبدأ جوهري: أن القيمة التي تنتجها النساء يجب أن تُقابل باعتراف مكافئ في القانون، وفي المؤسسة، وفي الوعي الجماعي.
وأقول للنساء أيضا إن الصبر، مهما كانت له دلالته الأخلاقية، لا ينبغي أن يتحول إلى صيغة دائمة لتدبير اللامساواة. فمن حق المرأة أن تطالب بشروط عمل عادلة، وبحماية فعلية، وبتمثيلية منصفة، وباعتراف كامل بما تؤديه من جهد داخل المجالين العام والخاص. ومن حقها كذلك أن ينظر إلى عملها المنزلي لا باعتباره قدرا صامتا، بل باعتباره إسهاما اجتماعيا واقتصادي حقيقيا.
أما رسالتي إلى صناع القرار، فهي أن الإنصاف لا يبنى بالاحتفاء الموسمي، ولا بالخطاب المعياري المجرد، بل بإرادة تشريعية ومؤسساتية قادرة على نقل المساواة من دائرة الإعلان إلى دائرة الأثر. وما يحتاجه المغرب اليوم ليس فقط تأكيدًا نظريًا على مكانة المرأة، بل مراجعة فعلية للبنيات القانونية والاجتماعية التي ما تزال تسمح بإعادة إنتاج التمييز والتفاوت داخل العمل والأسرة معا.
ومن هذا المنظور، فإن أي تصور جاد للعدالة داخل بيئة العمل يظل منقوصا ما لم يتصل بتصور مماثل للعدالة داخل الأسرة. لذلك فإننا نرى أن من الضروري أن تتضمن مدونة الأسرة، في صيغتها الجديدة، مقتضيات أكثر وضوحا وجرأة في الاعتراف بالقيمة الإنتاجية للعمل المنزلي، وفي تثمين مساهمة النساء غير المأجورة في تكوين الثروة الأسرية واستمرارها. لأن ربة البيت ليست خارج الاقتصاد، بل في قلبه، لكنها ظلت طويلًا في قلبه من دون تسمية منصفة.
إن إنصاف المرأة العاملة لا يكتمل فقط بتحسين شروط اشتغالها خارج البيت، بل يبدأ أيضا من تصحيح النظرة إلى العمل الذي تؤديه داخله. وهنا بالضبط يتحدد المعنى العميق للمساواة: ليس فقط أن نفتح للمرأة باب الشغل، بل أن نعيد تعريف القيمة والاعتراف والإنصاف على نحو لا يستثني ما تنتجه النساء في الفضاء المنزلي من عمل وجهد وزمن وحياة.

