في الميدان الرياضي كما في غيره من الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يعتبر تطبيق القانون وتفعيله أمرا حضاريا ومدنيا عاديا ومطلوبا ومثمنا، وليس مفاجأة واستثناء ومدعاة للتشكيك، خصوصا إذا كانت بنود هذا القانون بعد إقرارها والاحتكام إليها واضحة ودقيقة في تنظيم المجال والميدان الذي تغطيه وتضمن سيره العادي وسيادة العدالة والنظام داخله مع تحديد الالتزامات والحقوق والواجبات، وترتيب الجزاءات على المخالفات والخروقات للنظام، والاحتكام إليها في حال المنازعات، ومن ثمة فإن المفاجئ في الحقيقة والمدعاة للتشكيك وإساءة الظن هو طلب تعطيل هذه القوانين، أو تجميد العمل بها، وركنها في الرفوف، ونسخها بأحكام خارجها تكرس سيادة الفوضى والعشوائية وقانون الغاب والغلبة لمن فرض قانون القوة بدل قوة القانون، واعتبار ذلك أمرا عاديا وطبيعيا لا يصدم السير العادي في أي مجال من مجالات الحياة في شيء.
ذلك ما أسفرت عنه ردود الفعل المجانية والمغرضة التي تصدت لإجراءات تطبيق القانون في واقعة المباراة النهائية لكأس إفريقيا للأمم 2025 التي جمعت المنتخب المغربي بالمنتخب السينغالي، والتي أثارت جدلا كبيرا حينها لم يحسم بمجرد انتزاع المنتخب السينغالي فوزا وتتويجا مفروضا بالبلطجة وذهابه بالكأس إلى بلده، بل تحولت هذه النازلة إلى ملف قانوني وضعته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بكل ثقة في الاحتكام إلى القانون، بين يدي الأجهزة التقريرية الكروية الإفريقية والدولية لحسمه، فكان الحسم في لجنة الاستئناف للجهاز الكروي القاري، هو تطبيق اللوائح القانونية المنصوص عليها في المادتين 82 و 84، والمنطبقتين بالكامل على الحالة السينغالية وعلى تصرفات لاعبي المنتخب السينغالي ومدربهم وجمهورهم وكذا عدد من المتدخلين من خارج الملعب للتأثير غير الرياضي في نتيجة المباراة بالانسحاب من الملعب وتوقيف المباراة لأزيد من 15 دقيقة كانت كافية وزيادة لإعلان حكم المباراة نهايتها بفوز المنتخب المغربي بنتيجة اعتبارية هي ثلاثة أهداف لصفر، كما هو مقرر في قانون اللعبة، لكن حكم المباراة لم يفعل، واستأنف المباراة بشكل غير قانوني، بإعادة الفريق المنسحب بشكل غير قانوني من خارج الملعب والميدان، ومن غرف تبديل الملابس، ليسجل نتيجة المباراة لصالحه، أمام دهشة ملايين من المشاهدين والمتتبعين سواء في مدرجات الملعب أو في منصات بث هذه المباراة بكل تفاصيلها في كل أنحاء العالم.
وبانتهاء مسطرة التقاضي على الصعيد القاري إلى الانتصار للقانون وتفعيل المادتين 82 و84 كما هو مطلوب شرعا وخلقا، إذ تنص المادة 82 على أنه في حال رفض فريق اللعب أو غادر أرض الملعب قبل نهاية الوقت القانوني دون إذن من الحكم، يُعتبر خاسراً ويُستبعد من المسابقة. فيما تُكمل المادة 84 هذا النص بتقرير استبعاد أي فريق ينتهك المادة 82 نهائيا مع خسارته للمباراة بنتيجة 3 لـ 0.
قرار لجنة الاستئناف بالاتحاد الكروي الإفريقي بتفعيل المادتين القانونيتين الموضوعتين للتطبيق والاحتكام إليهما، وليس لطمسهما أو وضعهما جانبا، والخوض في هوامش عاطفية ووجدانية وانحيازية أو مصالحات على حساب القانون، هو القرار الصائب المتمتع بالمصداقية لا الغرابة والاستغراب والتشكيك في مناسبته والسؤال عن سبب وخلفيات وما ورائيات تبنيه، لانسجامه التام مع المطلوب القيام به من أي مسؤول ضامن لسلامة اللعبة، في حالة انتهاك مادة من القانون المنظم لها واستباحتها، ولذلك فاعتبار المنتخب السينغالي منتهكا للمادة 82 من لوائح “الكاف” التي لا تقر له بالانسحاب من المباراة وتوقيفها بدون إذن من الحكم، يجره مباشرة إلى تطبيق المادة 84 منها عليه، والقاضية بتجريده من النتيجة التي تحصل عليها خارج القانون، وإلزامه بنتيجة سلوكه وتصرفه، وهو اعتباره خاسرا للمباراة مفسدا لمسارها الصحيح.
لا غبار إذا أمام أي منصف أو متابع عليم أو طالب استشارة ورأي، فضلا عن أي محتكم للقانون أو متقاض إليه، من الإقرار، أحب أو كره، بسلامة هذا الإجراء والتفعيل للقانون، والمطلوب القيام به أصلا أثناء إجراء المباراة وفي حينها، والذي عطله وخرقه حكم المباراة، دون أن يعني هذا التعطيل والخرق ترسيما للنتيجة ولا تزكية للخروقات التي أفضت إليها، حفظا للحقوق وردعا للمتطاولين عليها، وإعلاء لسلطة وسيادة القانون.
أما التحجج بأدلة واهية من مثل تلك التي لجأ إليها عدد من المعلقين المنحازين والأفراد العموميين ووسائل الإعلام المنازعة في تطبيق القانون، من مثل أن المباراة الكروية تلعب وتدار في الميدان وقد كسبها المنتخب السينغالي قبل شهرين، وليس في المكاتب المغلقة ووراء الكواليس وبعد شهرين على صافرة إنهائها، فليست إلا حجة من لا يحترم القانون ويريد أن يفلت من العقاب تحت أي مسمى من تقادم أو استحالة نزع ملكية بعد حيازتها ولو بطرق غير قانونية، أو تعذر تنفيذ القانون. والحال أن المباراة لم تلعب بالفعل في الميدان، لأنها أوقفت في الميدان وانسحب منها المنتخب السينغالي وعاد بعد 17 دقيقة ليستأنفها خارج القانون الذي يحكمها وتلعب في إطاره، فالكرة تلعب في إطار القانون وداخل الميدان، هذا فضلا عن أن التدخل لاستئنافها تم من خارج الميدان واختلط فيها الحابل بالنابل، وخضع فيها حكم المباراة لإملاءات من خارج قواعد اللعبة، حتى لا يعلن نهايتها، بفعل انسحاب المنتخب السينغالي، وباعترافه. مما استوجب استئناف هذا الشوط من المباراة القانونية في ملعب القانون، بعد أن تعذر تطبيق القانون في الميدان.
وللذين استغربوا واستهجنوا وتفاجأوا مما اعتبروه استثناء وسابقة بسحب الكأس والتتويج، بعد حين من الزمن، من الفريق الذي تحصل في الميدان عليهما، نقول ليس الأمر كذلك فلطالما سحبت ألقاب وميداليات وجوائز في مباريات دولية في الرياضة والثقافة والسياسة والاقتصاد، وسحبت مقاعد انتخابية ومناصب من أصحابها لعدم الاستحقاق أو حتى لعيب شكلي في الإجراء، وألغيت نتائج اقتراع ودوائر انتخابية بعد فوز من فاز بها، ولم يقل أحد بالسابقة ولا استغرب ولا استهجن، إذا عُلم السبب وتأكد عدم الاستحقاق وبناء النتيجة على باطل يُزال وتزال معه كل متعلقاته. فلماذا بالضبط يستغرب في هذه الواقعة المشينة تطبيق القانون ولو بعد حين من الظلم، الذي أريد فيه الإذعان والخضوع للأمر الواقع، والتساهل مع الخروقات، واعتبار ما جرى قضاء وقدرا لا راد له، ولا معقب عليه، وذاك أنه ما وضع القانون إلا ليحترم، وما نصب القضاء وأنشأت المحاكم إلا لاسترداد الحقوق المنهوبة والأملاك المسروقة، بل ما عينت درجات التقاضي من الابتدائي إلى الاستئنافي إلى النقض إلا لتصحيح الأحكام واسترجاع الحقوق وردها إلى أهلها، وإلغاء كل ما بني على باطل أو عيب من الأقضية.
مع المغرب من الأدلة الدامغة والثابتة والمقنعة في مرافعته للانتصار ليس لمظلمته وحقوقه المنتهكة، وإنما لمصداقية الكرة الإفريقية التي مرغها المتواطؤون في التراب، سواء من المنتخب السينغالي، أو من خارجه، ممن كانوا يوجهون الأحداث الرياضية القارية الباهرة فوق التراب المغربي، وفي استضافته الناجحة لأحسن نسخة من الكأس الإفريقية، لضرب مصداقية المغرب والانتقام السياسي منه عبر لعبة رياضية لا تحتمل كل هذا الضجيج والنباح والضغط والسب والشتم والاتهام بالعمالة والخيانة والمؤامرة وشراء الذمم والرشوة، فقط لأن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، مررت المباراة المستأنفة ـ بشكل غير قانوني ـ بالتهدئة والانضباط لقرارات الحكم كيفما كانت طبيعتها، ولم يجاري منتخبها ولا جماهيرها المنتخب السينغالي وجمهوره في عربدتهما في الملعب وفرضهما شريعة الغاب، ثم لجأت بعد ذلك إلى القانون، وقدمت أدلة إدانة فرقاء وشركاء هذه الجريمة في إفساد تنظيم المغرب واستضافته للبطولة الإفريقية، وفي حق منتخبه الوطني الذي صنف في هذه البطولة كأفضل الفرق نظافة في اللعب، بينما صنف المنتخب السينغالي من أعلى المنتخبات في معدل عدم الانضباط واستحقاق العقوبات في هذه البطولة بحصوله على 17 بطاقة صفراء وحمراء.
كل هذه الحملات العدوانية ضد المغرب لأنه التزم بالقانون واستمسك به وانتصر له، تكشف عن أن بين القانون وهؤلاء الأدعياء الداعين إلى النظافة والنزاهة وتجويد أنظمة ولوائح الكرة الإفريقية ومحاربة الفساد ما بين السماء والأرض، لأنهم لم يقبلوا تفعيل مادتين قائمتين وواضحتين وملزمتين وحاسمتين للنزاع، ولجأوا بدلهما إلى استدرار العواطف والمشاعر والسب والشتم والتدليس والتحريف والكذب، أملا في الإفلات من العقاب وتعطيل القانون من أجل سواد عيون منتخب أساء التصرف وأخطأ تقدير حجم جريرته في حق الكرة الإفريقية قبل الكرة المغربية.

