يعود ملف البطالة لواجهة النقاش بالمغرب وسط مؤشرات مقلقة تعكس أزمة مستمرة في سوق الشغل. فرغم تراجع طفيف لمعدل البطالة إلى 13% سنة 2025 مقابل 13.3% في 2024، لا يزال عدد العاطلين مرتفعا بنحو 1.62 مليون شخص. وتبرز حدة الأزمة أكثر لدى الفئات الهشة، خاصة الشباب 37.2% والنساء 20% وحاملي الشهادات 19.1%، ما يكشف اختلالات بنيوية في التشغيل وضعف قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل كافية ومستدامة.
وبمناسبة فاتح ماي، مازال هذا الملف يطرح استمرار البطالة عند مستويات تفوق 13 في المائة خلال ولاية حكومة عزيز أخنوش أكثر من علامة استفهام بشأن أسباب تعثر سوق الشغل، وما إذا كان الأمر يتعلق فقط بأزمة ظرفية فرضتها سنوات الجفاف والتقلبات الاقتصادية العالمية، أم بإشكال بنيوي أعمق يرتبط بضعف مردودية النمو، ومحدودية أثر الاستثمار على التشغيل، واختلال التوازن بين العرض والطلب في سوق العمل.
في هذا الإطار، أكد يوسف الكراوي الفيلالي المحلل الاقتصادي في تصريح لـ”رسالة 24″ أن سوق الشغل في المغرب يواجه إشكالا بنيويا عميقا، يتمثل أساسا في الهوة المتزايدة بين عدد الوافدين الجدد على سوق العمل والقدرة الفعلية للاقتصاد الوطني على استيعابهم، مشيرا إلى أن نحو 400 ألف خريج وخريجة يلجون سوق الشغل سنويا، في وقت يظل فيه الاقتصاد الوطني عاجزا عن توفير العدد الكافي من مناصب الشغل لاستيعاب هذا التدفق المتزايد.
وأوضح الكراوي الفيلالي أن استيعاب هذا العدد من الباحثين عن العمل يقتضي تحقيق معدل نمو اقتصادي قوي وفعال، مبرزا أن الاقتصاد الوطني يحتاج إلى معدل نمو يقارب 7 في المائة سنويا حتى يتمكن من خلق فرص شغل كافية. وأضاف أن كل نقطة نمو يفترض أن تتيح نحو 51 ألف منصب شغل، غير أن الإشكال لا يرتبط فقط بوتيرة النمو، بل أيضا بضعف نجاعته من حيث قدرته على التحول إلى فرص عمل حقيقية.
وأشار المتحدث إلى أن الأزمة لا ترتبط فقط بضعف النمو، بل أيضا بطبيعة الاستثمارات المنجزة ومدى قدرتها على توليد مناصب شغل مستدامة، معتبرا أن جزءا مهما من الاستثمارات الحالية لا ينعكس بشكل مباشر على التشغيل، لأنها تظل محدودة الأثر من حيث خلق فرص العمل.
وأبرز أن استمرار التركيز على بعض الاستثمارات، خاصة في البنيات التحتية والقطاعات الصناعية، دون ربطها الفعلي بإحداث فرص شغل كافية، يفاقم الاختلال القائم بين العرض والطلب داخل سوق الشغل.
واعتبر الكراوي الفيلالي أن الوعود الحكومية المتعلقة بإحداث مليون منصب شغل في ظرف أربع سنوات تصطدم بواقع اقتصادي معقد، يجعل تحقيق هذا الهدف أمرا بالغ الصعوبة في ظل المؤشرات الحالية، سواء من حيث وتيرة النمو أو من حيث محدودية مردودية الاستثمار على مستوى التشغيل.
وسجل المحلل الاقتصادي أن سوق الشغل في المغرب لا يعاني فقط من أزمة كمية مرتبطة بعدد مناصب الشغل المتاحة، بل أيضا من أزمة نوعية ترتبط بطبيعة الكفاءات المطلوبة. وأوضح أن عددا كبيرا من الباحثين عن العمل يواجهون صعوبات في الولوج إلى فرص الشغل ليس فقط بسبب قلتها، بل أيضا بسبب عدم تطابق مؤهلاتهم مع حاجيات المقاولات، لاسيما في المهن التي تتطلب كفاءات تقنية ومهارات متخصصة.
وأضاف أن العديد من الشركات، سواء متعددة الجنسيات أو المقاولات الوطنية الكبرى، تجد نفسها في كثير من الأحيان عاجزة عن إيجاد الكفاءات المناسبة داخل السوق الوطنية، ما يدفعها إلى الاستعانة بكفاءات أجنبية أو اللجوء إلى حلول بديلة لسد هذا الخصاص.
وخلص الكراوي الفيلالي إلى أن استمرار ارتفاع البطالة في المغرب، خاصة في صفوف الشباب، يعكس عمق الاختلالات البنيوية التي تطبع سوق الشغل، مؤكدا أن تجاوز هذه الأزمة يقتضي إصلاحا هيكليا شاملا يربط بين النمو والتشغيل، ويعيد مواءمة التكوين مع حاجيات الاقتصاد الوطني، بعيدا عن الحلول الظرفية والمعالجات المؤقتة.
