تواصل الأبحاث الأثرية بالمغرب الكشف عن معطيات جديدة تعيد رسم ملامح تاريخ الاستيطان البشري بعدد من المواقع التاريخية، في ظل تنامي الاهتمام العلمي بالموروث الأثري الوطني وما يحمله من شواهد حضارية تعكس تعاقب الثقافات والمجتمعات عبر القرون.
وفي هذا السياق، أفرزت التنقيبات الجارية بموقع “ريغا” الأثري، الواقع قرب مدينة سيدي سليمان، نتائج وصفت بالمهمة، بعدما كشفت عن بقايا معمارية وصناعية ولقى أثرية توثق لفترات تاريخية متعددة، تمتد من الحقبة الرومانية إلى العصر الإسلامي.

أبرز محمد اكبيري علوي، الأستاذ الباحث بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، في تصريح خص به “رسالة24″،أن برنامج البحث الأثري المغربي-الفرنسي المشترك بموقع “ريغا” أتاح الكشف عن معطيات علمية جديدة تسلط الضوء على التحولات التي عرفتها المنطقة على مستوى الاستقرار البشري عبر فترات تاريخية متعاقبة. وأوضح محمد اكبيري علوي أن هذا المشروع، الذي انطلق سنة 2005 في إطار تعاون بين مؤسسات أكاديمية مغربية وأوروبية، يعتمد مقاربة علمية متعددة التخصصات مكنت من قراءة دقيقة لمختلف الشواهد الأثرية المكتشفة بالموقع.
وأكد محمد اكبيري، أن المواسم الأخيرة من الحفريات أسفرت عن اكتشاف بقايا منشآت سكنية وصناعية تعود إلى الحقبة الرومانية، من أبرزها منزل شُيد وفق نمط معماري كلاسيكي يتمحور حول فناء داخلي، إلى جانب معصرة نبيذ مجاورة تعكس النشاط الاقتصادي والإنتاجي الذي كان يميز الموقع خلال تلك المرحلة التاريخية.
وأشار المشرف على البحث، إلى أن الأبحاث كشفت أيضا عن طبقات أثرية متعاقبة، من بينها طبقة دمار تعود إلى القرن الثالث الميلادي، يرجح ارتباطها بحريق أو أحداث مفاجئة، وهو ما مكن الباحثين من تتبع المراحل الأخيرة للاستقرار بالمنزل المذكور وفهم طبيعة التحولات التي شهدها هذا الجزء من الموقع في تلك الفترة.
وأوضح المتحدث، أن الدراسات الأثرية أبانت عن تداخل حضاري واضح، إذ تعلو البقايا الرومانية طبقات تعود إلى فترات إسلامية، خاصة العصر الإدريسي، بما يعكس استمرارية الاستيطان البشري واستغلال المجال عبر قرون طويلة. وأضاف، أن الحفريات مكنت كذلك من العثور على لقى أثرية متنوعة تضم أدوات خزفية وعناصر زخرفية ومخلفات مرتبطة بالحياة اليومية، إلى جانب بقايا منشآت فلاحية وصناعية.
وأفاد محمد اكبيري، بأن الفريق العلمي اعتمد على تحاليل مخبرية متقدمة شملت بقايا عضوية ونباتية، من بينها آثار مرتبطة بإنتاج النبيذ، فضلاً عن توظيف تخصصات علمية مساعدة كالكيمياء ودراسات البيئة القديمة، وهو ما ساهم في إعادة بناء ملامح الاقتصاد المحلي وأنماط العيش التي ميزت تلك الفترات التاريخية.
وأضاف الباحث في علوم الآثار، أن المشروع يتم إنجازه بشراكة علمية بين مؤسسات مغربية وفرنسية، حيث يشرف على الجانب المغربي فريق من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، فيما تتولى الباحثتان إلزا روكا وشارلوط كاراطو الإشراف عن الجانب الفرنسي، بمشاركة مؤسسات علمية من بينها “Archelogie-Mosaïques” و”Casa de Velázquez” ومختبر ASM بجامعة مونبلييه، وبدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل ومديرية التراث الثقافي، إضافة إلى الوزارة الفرنسية المكلفة بالشؤون الأوروبية والخارجية.
وشدد محمد اكبيري علوي على أن هذه النتائج تعزز الأهمية العلمية المتزايدة لموقع “ريغا”، باعتباره فضاء أثريا غنيا بالمؤشرات القادرة على إعادة تركيب تاريخ المنطقة وفهم ديناميات الاستقرار البشري بها، في انتظار ما ستسفر عنه مواسم التنقيب المقبلة من معطيات واكتشافات جديدة.

