آخر أخبارحديث الأربعاءرأيمستجدات

نهاية صورة

بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس ــ

بلا خجل ولا حياء ولا ذرة كرامة، أعادت العصابة الحاكمة في الجزائر أول أمس تكرار سيناريوهاتها البائسة والفاشلة بمحاولات إقحامها الفج والغبي لدميتها الانفصالية في اجتماعات الشراكة الإفريقية الدولية، والتجمعات الاقتصادية والاستراتيجية بين دول القارة الإفريقية والدول الشريكة والداعمة، رغم الطرد المتكرر والمهين لهذه الشرذمة والكيان، ورغم الفشل الذريع الذي تمنى به المحاولات والمجهودات الديبلوماسية الجزائرية لإقناع الشركاء الدوليين للقارة الإفريقية بتوجيه دعوات الحضور والمشاركة لكيانها المصطنع، بما في ذلك استدعاء سفراء هذه الدول الشريكة لدى الجزائر والضغط بكل الوسائل المحرجة للجهات المنظمة للتغاضي على الأقل عن وجود وفد من كيانها وذراعها الانفصالي في قاعات المؤتمرات والاجتماعات والندوات لالتقاط الصور والسلام على المشاركين وتبادل التحايا والابتسامات، من أجل تحويلها إلى مادة إعلامية ودعائية عن دولة “وهمية وشبح” محترمة بين الدول.

وفي هذا السياق الدعائي والسينمائي والاستشفائي الذي لا علاقة له لا بمبادئ وبرامج وأهداف الشراكة الإفريقية والدولية، حاولت العصابة الجزائرية بكل غبائها المستحكم دس كيانها الانفصالي في الاجتماع الوزاري المنعقد بمدينة سيول الكورية الجنوبية أمس وأول أمس، لمتابعة مخرجات القمة الإفريقية الكورية الأولى عام 2024، مع التركيز على تنفيذ أجندة التنمية القارية وتطوير الأعمال والاستثمارات المشتركة، المعلن عنها في القمة السابقة، التي غابت عنها الميليشيا الانفصالية بحكم منعها من مشاركة الدول المدعوة والمعترف بها مقاعد هذا الاجتماع الاقتصادي والتنموي. غير أن كوريا الجنوبية صفعت مرة أخرى العصابة وكيانها المصطنع برفضها الصارم توجيه دعوة رسمية لميليشيا بوليساريو، أو حتى مشاركتها بالتسلل تحت العباءة الجزائرية كما هو معهود في مثل هذه الاجتماعات الافريقية الدولية. جاء هذا الرفض الكوري الحازم والقاطع رغم كل الضغوط الديبلوماسية الجزائرية، ليس فحسب باعتبار ميليشيا بوليساريو كيانا لا يتمتع بصفة الدولة المعترف بها والمسؤولة عن التزامات هذا الاجتماع، بل لأن هذا الكيان الوهمي غير معني من قريب أو بعيد بأجندة الاستثمارات والتعاون وتمويل البرامج التنموية والتبادل التجاري وتعزيز ولوج المنتجات الإفريقية إلى السوق الكورية الجنوبية وتوسيع مجالات التعاون في قطاعات التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة التي لا يملك فيها الكيان ناقة ولا جملا لمبادلته وتسويقه، ولا مادة خاما أو محولة لعرضها، ولا حتى خبرة لنقلها، بل هو تحت رحمة برامج المساعدة والإغاثة العالمية التي تنشط في مخيمات هي محتجزات وسجون ومسالخ أكثر من كونها مستوطنات للاجئين تنتظر قرار الإزالة والتفكيك، وإنزال الستار عن حفل تنكري دامت فصوله وفقراته أزيد من نصف قرن، ومج المجتمع الدولي مشاهدته وإطالة مسلسله أكثر من اللازم.

لو كانت ثمة ذرة حياء وذكاء ديبلوماسي لامتنعت العصابة مع كيانها الانفصالي عن الإقحام والاقتحام، من تلقاء أنفسهما، ورفعا لأي إحراج عن المستضيفين الكوريين والضيوف الأفارقة المدعوين،  وتذكرا لآلام الصفعات في الصين وروسيا واليابان وفرنسا وفي اجتماعات سابقة للقمة الأولى الإفريقية الكورية، وخوفا وتحسبا من تكرار المهازل والإهانات أمام أنظار العالم، لكن الغباء السياسي وقصر النظر والحقد الأعمى على المغرب يسول لهما مواصلة الأماني المجهضة دوما لاستفزاز المغرب والتقاط الحد الأدنى من المكاسب الوهمية في هذا الاجتماع أو ذاك أقصاه الحصول على مجرد صورة من قاعة الاجتماع والمؤتمر أو من ردهات مقره يتسلل فيها، بين قادة الدول ووزرائها وديبلوماسييها، رئيس عصابة أو قائد ميليشيا مسلحة، يقرر في مصير التعاون بين الدول وتدفق الاستثمارات ونقل التكنولوجيا ومد البنى التحتية، وهو لم يقرر بعد مصيره ولا أي أرض تقله أو تحمله، ولا يزال إلى غاية اليوم يدعو إلى تقرير المصير.

لو كان حضور هذا الكيان إلى اجتماعات وندوات ولقاءات لمناقشة تقرير مصير الشعوب وقضايا تحرير الأوطان ودعم المنظمات والحركات المسلحة، لكان حضوره مفهوما، لكن أن يحضر في اجتماعات موضوعها التنمية والشراكات، ويترتب عنها توقيع اتفاقيات مشتركة للتبادل والتجارة والصناعة ونقل الخدمات والصيد البحري والفلاحة واستكشاف المعادن وإقامة مشاريع استراتيجية كبرى وتقديم المساعدات التقنية والمالية للنهوض بالاستثمارات، فهذا عين العبث والعربدة في اجتماع مسؤول لحكماء وعقلاء الدول المصونة أفعالها عن العبث وانعدام المصداقية.

إن المكان الدولي الحقيقي والطبيعي لاجتماع العصابة الحاكمة في الجزائر هي ساحات المارستانات ومستشفيات الأمراض العقلية والمعازل، والمكان الطبيعي لكيانها الانفصالي المليشيوي للاجتماع واللقاء هو السراديب والمخابئ والقفار والفيافي التي تنظم فيها الملتقيات والاجتماعات للحركات المسلحة والمليشيات من أجل تنسيق هجوم، وزعزعة أمن، وضرب استقرار، وتخريب عمران، وهذا هو الاجتماع الوحيد الذي يمكن منطقيا وأخلاقيا أن تستدعى إليه بوليساريو والكيانات الشقيقة من القاعدة إلى داعش إلى بوكو حرام وفاغنر وهلم ميليشيا، لتبادل الخبرات، وتنسيق العمليات، وتنظيم المناورات، والبحث عن التمويل والعرابين والأحلاف والعصب. ومن الاجتماعات التي تبدو منطقية في حالة هذه الميليشيا التي تزاحم الدول المسؤولة في اجتماعات البناء والنماء، اجتماعات تجار الممنوعات ومحترفي التهريب والنخاسين والمرتزقة وكافة الأذرع التنفيذية والوكلاء، وكذلك اجتماعات متسولي مساعدات الإحسان والغوث الدوليين، وحينها لن يثير أمر انضمام ميليشيا بوليساريو إلى هذه الملتقيات والمنتديات والتنسيقيات استغرابا ولن يطرح استدعاؤها للمشاركة فيها أي إشكال أو تحفظ، لأن هذا هو مكانها الطبيعي والعادي، وهذا هو مستنقعها الوحيد الآسن لتنشيط حركة القُبَل والمقابلات والاصطياد في الماء العكر.

هي إذا فوضى مضادة لروح الاجتماعات الدولية المسؤولة ناسفة لقواعد التعاون ومبادئ الشراكة، أريد إحداثها في اجتماعات الدول الإفريقية والدول الشريكة والممولة، وإن المغرب بعد تصديه القوي والناجع خلال سنوات خلت للفوضى والبلطجة المترتبة عن أعمال إقحام ميليشيا بوليساريو والطواف بها كدولة مزورة في المنتديات والمؤتمرات الدولية، لم يعد اليوم وحده في خط المواجهة والتصدي، وقد أدرك العالم خطورة التمادي في إهمال الردع، وغض الطرف عن هذا السلوك العدواني على القانون الدولي. إذ صارت الدول شريكة إفريقيا، تطرح الأسئلة الحقيقية والموضوعية التي كان ينبغي أن تطرح منذ اللقاءات الأولى للشراكات الإفريقية الدولية، بغض النظر عن المواقف المتباينة لهذه الدول من النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وهذه الأسئلة هي: ما الفائدة من إشراك كيان وهمي لا يُسأل عن مال في أي استثمار وضعه، ولا عن شراكة أو اتفاقية تعاون أين بلغت مسارات تنزيلها، ولا عن التزام مقطوع أين نفذ ومتى، ولا عن هدف من أهداف التنمية في الألفية أو المائوية أو العشرية تحقق، لأن لا الميليشيا ولا العصابة ولا مخيمات الاحتجاز التي يحكمها مجرمون هاربون من العدالة متاجرون في الأسلحة والبشر والممنوعات، تملك جوابا عن سؤال البناء والتنمية وإرساء دعائم الاستقرار والسلام والدولة الشرعية المدبرة لثرواتها وأمنها وغذائها، بينما تملك الجواب عن عدد العمليات الهجومية والغزوات ودك المعاقل التي نفذتها، وعن عدد المختطفين والقتلى والضحايا الذين أسقطتهم، وعن عدد العاهات التي أنتجتها، وعن الأموال المسروقة والمنهوبة التي هربتها إلى الحسابات الخاصة في البنوك الدولية، وعن عدد أطفال المستقبل الذين جندتهم في حروب الكراهية، فهل بهذا النوع من “شركاء الاستقرار والتنمية والتعاون والتبادل” يمكن أن نعقد اجتماعات ومنتديات وملتقيات التعاون الدولي والثنائي والبيني وتطوير القدرات الإقليمية والدولية على مواجهة تحديات التنمية، وكل هم العصابة والميليشيا المراد إقحامها في الاجتماعات الدولية والقارية المسؤولة عن الشراكات التنموية والمشاريع الاقتصادية الاستراتيجية الكبرى؟

إن الذي يجب أن يخجل في الحقيقة ويشعر بالعار والشنار من احتضان اجتماعات الدول الوازنة لهذا الكيان الميلشيوي الانفصالي الدخيل والطفيلي والمعربد الخارج من قصة مليئة بالغبار، هو هذه الدول نفسها التي قبلت بالتسلل والتسرب إلى اجتماعاتها، وتجاهلت خطورة الصمت عن أعمال إهانتها والحط من قدرها ومعاكسة القيم الديبلوماسية المتعارف عليها، والطعن في مبادئ وأهداف ومدخلات ومخرجات الشراكات التنموية الكبرى التي تسعى إلى إرسائها. فالميليشيا المستجدية للمساعدات والدعم في حربها وغزواتها، غير مسؤولة عن منطق الدولة والعلاقات الدولية واغتنام فرص السلام والتنمية، لأنه يكفيها منطق العصابة في الاستمتاع بما حققته من غنائم، وزرعته من ألغام في مسار الاستقرار والتعاون، وهي غير ملزمة لا بتقديم الحساب ولا بتقييم حصيلة التعاون والشراكات. إنها النتيجة المتوقعة من التسوية بين الدولة العاملة والقائمة وكيان وهمي مزعوم، بين بناة الطرق وقُطاعها، بين من يصنع الحدث ويشارك فيه، ومن يلتقط صورة سيلفي لاكتساب شرعية مغشوشة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock