آخر أخبارتقاريرمجتمعمستجدات

تقرير يحذر من اتساع العزوف الانتخابي ويدعو إلى تجديد الوساطة السياسية

كشف تقرير استراتيجي جديد بعنوان “المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب.. أزمة الوساطة والفئة الصامتة ورهانات الديمقراطية الحديثة في أفق 2035” أن التحدي الأكبر الذي يواجه الحياة السياسية المغربية لم يعد مرتبطا بنتائج الانتخابات أو ترتيب الأحزاب، بل يتمثل أساسا في اتساع دائرة العزوف الانتخابي وتراجع الثقة في المؤسسات الحزبية، معتبرا أن “الفئة الصامتة” أصبحت القوة السياسية الأولى في البلاد، بما يفرض مراجعة عميقة لآليات الوساطة السياسية وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات.

وصدر التقرير عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) خلال شهر يونيو 2026، معتمدا على مقاربة تاريخية وتحليلية وإحصائية ومقارنة، استندت إلى معطيات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية والمندوبية السامية للتخطيط، إلى جانب دراسات أكاديمية ومؤشرات دولية ورصد للإعلام الوطني، بهدف تقديم قراءة نقدية واستشرافية للمشهد السياسي المغربي حتى سنة 2035.

ويرى التقرير أن المغرب راكم منذ الاستقلال إصلاحات دستورية ومؤسساتية مهمة، غير أن هذه المكاسب لم تنجح في الحد من تراجع المشاركة السياسية أو في ترميم الثقة بين المواطنين والأحزاب.

ويؤكد أن جوهر الأزمة يكمن في ما يسميه بـ”أزمة الوساطة السياسية”، أي ضعف قدرة الأحزاب على نقل انتظارات المواطنين وتحويلها إلى سياسات عمومية ملموسة، وهو ما أدى إلى تنامي الشعور بعدم جدوى المشاركة الانتخابية.

ويستعرض التقرير المسار التاريخي للمشاركة الانتخابية منذ ستينيات القرن الماضي، مبرزا أنها عرفت منحى تنازليا على امتداد ستة عقود، بعدما انتقلت من نسب مرتفعة خلال السبعينيات إلى أدنى مستوياتها سنة 2007 بنسبة 37 في المائة، قبل أن ترتفع إلى 50.35 في المائة خلال انتخابات 2021، مع التأكيد على أن هذا التحسن النسبي لا يعكس بالضرورة استعادة الثقة بقدر ما ارتبط بإعادة تشكيل الخريطة الحزبية.

ومن أبرز خلاصات الدراسة أن نسبة المشاركة الرسمية لا تعكس الحجم الحقيقي للعزوف، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد المواطنين المؤهلين للتصويت بلغ حوالي 25.23 مليون شخص سنة 2021، بينما لم يدل بأصواتهم سوى نحو 8.8 ملايين ناخب، ما يعني أن أكثر من 16 مليون مواطن ظلوا خارج الفعل الانتخابي، سواء بسبب عدم التسجيل أو الامتناع عن التصويت، وهو ما يجعل “الفئة الصامتة” تمثل حوالي 65.1 في المائة من مجموع المؤهلين للتصويت.

ويربط التقرير هذا العزوف بجملة من العوامل، أبرزها تراجع الثقة في الأحزاب السياسية، وضعف الإحساس بقدرة الانتخابات على إحداث تغيير في الحياة اليومية، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وهو ما يدفع شريحة واسعة من المواطنين إلى تقديم هموم المعيشة على الاهتمام بالشأن السياسي.

وفي تقييمه لأداء الأحزاب، يسجل التقرير أن الأغلبية الحكومية تعاني ضعفا في التواصل مع المواطنين، بينما تواجه المعارضة صعوبات تنظيمية وتفتقر إلى مشروع سياسي قادر على استعادة ثقة الناخبين.

و يبرز أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الثقة في الأحزاب لا تتجاوز 18 في المائة، وهي من بين أدنى مستويات الثقة في المؤسسات، مقابل نسب أعلى للبرلمان والحكومة والقضاء، وهو ما يعزز فرضية وجود أزمة وساطة سياسية عميقة.

ويتوقف التقرير أيضًا عند ظاهرة “التطاير الانتخابي”، موضحا أن الانتقال السريع لبعض الأحزاب من تصدر المشهد إلى تراجع كبير في عدد المقاعد، مقابل صعود أحزاب أخرى خلال دورة انتخابية واحدة، يعكس هشاشة الولاء الحزبي وهيمنة التصويت العقابي أكثر من كونه تعبيرا عن تنافس برامجي مستقر، مع الإشارة إلى تأثير تعديل طريقة احتساب القاسم الانتخابي خلال انتخابات 2021 على توزيع المقاعد.

وفي الجانب الإيجابي، يبرز التقرير تطور تمثيلية النساء داخل مجلس النواب، بعدما ارتفعت من 10 في المائة سنة 2002 إلى 24.3 في المائة سنة 2021، معتبرا أن هذا التطور يؤكد قدرة الإصلاحات المؤسساتية على تحقيق نتائج ملموسة، مع الدعوة إلى الانتقال من التمثيل العددي إلى توسيع حضور النساء في مواقع القرار، إلى جانب تعزيز مشاركة الشباب الذين يفضلون اليوم التعبير عبر الفضاء الرقمي بدل الأطر الحزبية التقليدية.

اقتصاديا، يؤكد التقرير أن استعادة الثقة السياسية تمر أيضا عبر تحسين الأوضاع المعيشية، مشيرا إلى أن معدل البطالة بلغ 13 في المائة، بينما ارتفع إلى 37.2 في المائة لدى الشباب بين 15 و24 سنة، وإلى 19.1 في المائة لدى حاملي الشهادات، وهو ما يستدعي، بحسب معدي الدراسة، اعتماد سياسات أكثر فاعلية في التشغيل، والعدالة المجالية، والتحول الرقمي، والإصلاح الضريبي، باعتبارها مداخل لإعادة ربط المواطن بالعمل السياسي.

و يخصص التقرير حيزا لدور الإعلام، معتبرا أن النقاش السياسي انتقل بشكل متزايد إلى المنصات الرقمية، في ظل تراجع البرامج السياسية الحوارية التقليدية، الأمر الذي يفرض تطوير إعلام سياسي أكثر مهنية وعمقا، قادر على مخاطبة الشباب وربط النقاش العمومي بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تهم المواطنين بشكل مباشر.

ويختتم التقرير بتقديم خارطة طريق تمتد إلى سنة 2035، تدعو إلى تجديد الأحزاب من الداخل، وتوسيع المشاركة السياسية، واعتماد التسجيل التلقائي في اللوائح الانتخابية، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، والاستفادة من الرقمنة والذكاء الاصطناعي في خدمة الشفافية والمشاركة، معتبرا أن مستقبل الديمقراطية المغربية رهين باستعادة ثقة المواطنين وإعادة الاعتبار لدور الأحزاب باعتبارها الوسيط الأساسي بين المجتمع والدولة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock