آخر أخبارلكل النساءمجتمعمستجدات

يسرى السباعي لـ”رسالة24″: الصحة النفسية للوالدين أساس تربية أطفال متوازنين

أكدت الدكتورة يسرى السباعي، الطبيبة النفسية للأطفال والمراهقين والعضوة المتطوعة في الجهاز الوطني للصدمات النفسية للطفل، أن الصحة النفسية للآباء والأمهات أصبحت اليوم ركنا أساسيا في بناء أسرة سليمة، مشددة على أن الضغوط النفسية المزمنة التي يعيشها الوالدان لا تنعكس على حياتهما فقط، بل تمتد آثارها بشكل مباشر إلى نمو الأطفال وسلوكهم وتوازنهم النفسي، وهو ما يجعل العناية بصحة الوالدين النفسية جزءا لا يتجزأ من التربية السليمة.

وأوضحت السباعي، في تصريح لـ”رسالة24″،أن الآباء والأمهات يعيشون مفارقة لافتة في ظل الكم الكبير من الكتب والمقالات ومقاطع الفيديو والبودكاست التي تقدم نصائح تربوية، إذ بدل أن تخفف هذه المواد من الضغوط، أصبحت في كثير من الأحيان تزيد شعورهم بالحيرة والقلق، بسبب السعي المستمر إلى بلوغ صورة “الأب أو الأم المثالية”، الأمر الذي يولد إحساسا دائما بالتقصير ويضاعف الأعباء النفسية التي يتحملها الوالدان.

وأشارت إلى أن ما يعرف بـ”الضغط الوالدي” لا يقتصر على التعب الطبيعي الذي يشعر به الأب أو الأم بعد يوم طويل، وإنما يظهر عندما تتجاوز متطلبات التربية اليومية قدرة الوالدين النفسية والجسدية على التحمل. وأضافت أن الشعور بالتوتر أمر طبيعي يمر به جميع الآباء، غير أن استمراره لفترات طويلة دون راحة أو دعم نفسي واجتماعي قد يقود إلى ما يسمى بـ”الاحتراق الوالدي”.

وأبرزت أن الاحتراق الوالدي يعد حالة نفسية تنتج عن التعرض المستمر لضغوط التربية، وتظهر من خلال مجموعة من العلامات، أبرزها الإرهاق النفسي والجسدي المرتبط برعاية الأطفال، والإحساس بأن التربية أصبحت أكثر صعوبة من السابق، إلى جانب تراجع التفاعل العاطفي مع الأبناء، والشعور بمسافة نفسية بينهم وبين والديهم، فضلا عن الإحساس بعدم الكفاءة أو الفشل في أداء الدور التربوي.

ولفتت الطبيبة النفسية إلى أن تربية الأطفال لم تكن سهلة في أي مرحلة، إلا أن التحولات الاجتماعية وظروف الحياة الحالية جعلتها أكثر تعقيدا، مستشهدة بدراسات دولية تفيد بأن واحدا من كل خمسة آباء أو أمهات يعاني مستويات مرتفعة من التوتر المرتبط بالتربية، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجه الأسر في مختلف المجتمعات.

وعزت هذا الواقع إلى مجموعة من العوامل، من بينها تراجع دور الأسرة الممتدة التي كانت توفر الدعم والمساندة في تربية الأطفال، وتحول الأسرة النووية إلى تحمل المسؤولية بمفردها، إضافة إلى صعوبة التوفيق بين متطلبات العمل والحياة الأسرية، فضلا عن التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي التي تدفع كثيرا من الآباء إلى مقارنة حياتهم بصور مثالية لا تعكس الواقع، مما يعزز لديهم الشعور بالنقص والتقصير.

وشددت السباعي على أن فكرة “الأب أو الأم المثالية” لا وجود لها في الواقع، مؤكدة أن التربية الناجحة تقوم على بذل الجهد وفق الإمكانات المتاحة، وليس على تحقيق الكمال. كما أوضحت أن الشعور بالتوتر لا يعد دليلا على ضعف الوالدين أو فشلهما، بل يعكس حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهما وحرصهما على توفير أفضل الظروف لأطفالهما.

وحذرت من أن الأطفال يتأثرون بشكل كبير بالحالة النفسية لوالديهم، لأنهم يلتقطون مشاعر القلق والتوتر حتى دون التعبير عنها بالكلمات، موضحة أن دماغ الطفل، خاصة في سنواته الأولى، لا يمتلك القدرة الكاملة على تنظيم انفعالاته، لذلك يعتمد بدرجة كبيرة على هدوء واستقرار والديه ليشعر بالأمان.

وأضافت أن استمرار الضغوط النفسية داخل الأسرة قد ينعكس على الأطفال في شكل القلق، واضطرابات النوم، وصعوبات التركيز، وتراجع الأداء الدراسي، أو ظهور مشكلات سلوكية مختلفة، معتبرة أن الاهتمام بالصحة النفسية للوالدين يعد استثمارا مباشرا في الصحة النفسية للأبناء.

واختتمت الدكتورة يسرى السباعي بالتأكيد على أن رعاية الأب أو الأم لصحتهما النفسية ليست سلوكا أنانيا، وإنما ضرورة تربوية، لأن الوالد الذي يحافظ على توازنه النفسي يكون أكثر قدرة على احتواء أطفاله، وإدارة المواقف اليومية بهدوء، وتوفير بيئة أسرية آمنة تدعم نموهم النفسي والعاطفي بصورة سليمة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock