آخر أخبارحواراتسياسة

خالد الشيات لـ”رسالة 24″: المغرب رسخ استقراره…والمرحلة المقبلة تفرض إصلاحات أعمق

بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، يواصل المغرب ترسيخ مسار الإصلاح وتعزيز أوراشه الاستراتيجية في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة. وفي هذا السياق، يقدم  خالد الشيات  أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، لـقراء “رسالة 24″، أبرز ملامح المشهد السياسي المغربي، والرهانات التي تنتظر المملكة، ومدى مواكبة المؤسسات والأحزاب للتوجيهات الملكية، إلى جانب التحديات التي ستطبع المرحلة المقبلة.

بمناسبة عيد العرش، كيف تقرؤون التحولات التي شهدها المشهد السياسي المغربي خلال السنوات الأخيرة؟

يمكن القول إن المشهد السياسي المغربي يتميز بدرجة كبيرة من الاستقرار، وهو استقرار يستند إلى المؤسسة الملكية باعتبارها الضامن لاستمرارية الدولة وتوازن مؤسساتها، وهو ما انعكس إيجابا على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. صحيح أن المغرب عرف خلال السنوات الأخيرة بعض الاحتجاجات الاجتماعية، غير أنها ارتبطت أساسا بطريقة تدبير الحكومات للسياسات العمومية، ولم تكن موجهة ضد طبيعة النظام السياسي أو المؤسسة الملكية.

والتجربة السياسية المغربية راكمت، خلال العقود الأخيرة، مكاسب مهمة على مستوى الاستقرار المؤسساتي، إذ أصبحت الحكومات تستكمل ولايتها الدستورية بشكل طبيعي، بخلاف ما كان عليه الوضع في مراحل سابقة، حيث كانت الحكومات تعرف تغييرات متكررة قبل انتهاء ولايتها. وحتى التعديلات الحكومية التي شهدها المغرب بقيت في إطار تحسين الأداء دون المساس باستقرار المؤسسات، وهو ما يعكس نضج التجربة السياسية المغربية وتطورها بشكل تدريجي.

 

ما أبرز الرهانات التي تنتظر المملكة في المرحلة المقبلة على المستويين الداخلي والخارجي؟

على المستوى الداخلي، يبرز نقاش سياسي متواصل بين اتجاه يدعو إلى توسيع المشاركة السياسية وتعزيز الديمقراطية الاجتماعية، بما يمنح المؤسسات المنتخبة والأحزاب دورا أكبر في تدبير الشأن العام، واتجاه آخر يعتبر أن استقرار الدولة يرتبط أساسا بالدور الذي تضطلع به المؤسسة الملكية باعتبارها الضامن لاستمرار الدولة ووحدتها.

هناك من يرى أن النظام السياسي المغربي ما يزال مطالبا بتعزيز الممارسة الديمقراطية وتطوير آليات التعددية، في حين يعتبر آخرون أن النموذج المغربي أثبت قدرته على تحقيق التوازن بين الإصلاح والاستقرار، وهو ما مكن المملكة من تجنب الهزات التي عرفتها بعض الدول العربية.

والنقاش حول طبيعة أنظمة الحكم لم يعد يقتصر على المغرب، بل يشمل عددا من التجارب الدولية، سواء في الولايات المتحدة أو روسيا أو تركيا أو الصين، حيث تتجه العديد من الدول إلى تعزيز دور السلطة التنفيذية بما يضمن الاستقرار السياسي واستمرارية الدولة.

ومن هذا المنطلق، أرى أن المغرب مطالب بمواصلة نهج الإصلاح التدريجي، لأن هذا الخيار أثبت نجاعته في الحفاظ على استقرار البلاد، بخلاف بعض التجارب التي شهدتها المنطقة العربية بعد ما عرف بـ”الربيع العربي”، والتي أفرزت تحديات معقدة ما تزال آثارها مستمرة إلى اليوم.

أما على المستوى الخارجي، فقد حقق المغرب مكاسب مهمة، خاصة في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، بفضل الدينامية الدبلوماسية التي عززت الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي. غير أن المملكة ما تزال مطالبة بمواصلة هذا الزخم الدبلوماسي، والاستمرار في تدبير المفاوضات المرتبطة بالنزاع، في ظل استمرار الموقف الجزائري الرافض للتطورات التي يشهدها الملف، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالوضع الإقليمي وتعثر الاندماج المغاربي.

في ظل الأوراش الاستراتيجية الكبرى التي يشهدها المغرب، إلى أي حد نجحت المؤسسات والأحزاب في مواكبة التوجيهات الملكية وتحويلها إلى سياسات عمومية ذات أثر ملموس؟ وما أبرز مكامن القوة والاختلال؟

في المغرب، تضطلع الحكومات، من خلال الأحزاب المشكلة لها، بمهام تدبير الشأن العام أكثر من ممارستها للحكم بالمعنى الواسع، وهو ما يجعل تقييم أدائها مرتبطا بقدرتها على تنزيل السياسات العمومية والاستجابة لانتظارات المواطنين.

ولا يزال المشهد الحزبي المغربي يعيش امتدادا لنموذجين تاريخيين، أحدهما يستند إلى مرجعيات اجتماعية، والآخر أكثر ارتباطا بمنظومة الدولة، وهو ما يجعل التنافس السياسي قائما في حدود توازنات معينة، تتداخل فيها عوامل سياسية واجتماعية متعددة.

وفي تقديري، تراجعت مكانة الأحزاب السياسية خلال السنوات الأخيرة، سواء كفاعل سياسي أو كفاعل حكومي، إذ لم ينعكس أداؤها بالشكل المطلوب على الأوضاع الاجتماعية، رغم محاولتها التكيف مع التحولات الاقتصادية العالمية. كما أن الخطاب السياسي اتسم أحيانا بالنخبوية وضعف التواصل مع المواطنين، وهو ما ساهم في اتساع الفجوة بين الفاعل السياسي والمجتمع، وأدى إلى بروز مظاهر من الاحتقان الاجتماعي تستوجب المعالجة.

ما أبرز التحديات السياسية التي تعتقدون أنها ستطبع السنة المقبلة؟

أعتقد أن التحديات السياسية المقبلة ترتبط أساسا بمنظومة التدبير الحكومي والحزبي، وبمدى قدرتها على استعادة ثقة المواطنين في العمل السياسي. فالتراجع في المشاركة السياسية ليس وليد اليوم، بل هو تحد تاريخي يفرض البحث عن آليات جديدة لتعزيز انخراط المواطنين في الحياة العامة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث تبقى نسبة المشاركة مؤشرا أساسيا على حيوية المشهد السياسي.

ومن جهة أخرى، سيظل الحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي وجلب الاستثمارات وخلق فرص الشغل من أبرز الرهانات، إلى جانب تحسين القدرة الشرائية للمواطنين وتقليص آثار التقلبات الاقتصادية العالمية عبر حلول وطنية ناجعة.

في حين تظل إصلاحات التعليم والصحة من أكبر التحديات المطروحة، لأنها تتطلب رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تتجاوز التدبير المرحلي والبرامج الظرفية، وتأخذ بعين الاعتبار التحولات الديموغرافية التي يشهدها المجتمع المغربي، وعلى رأسها ارتفاع نسبة الشيخوخة وما يرافقها من حاجيات صحية واجتماعية متزايدة.

إلى جانب ذلك، يفرض المستقبل التفكير في كيفية مواكبة التحولات الثقافية والمجتمعية، وإيجاد توازن بين قيم الحداثة والمرجعيات الهوياتية للمجتمع المغربي، بما يضمن صيانة الحقوق والحريات، ويحافظ في الوقت نفسه على خصوصية المجتمع وتماسكه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock