آخر أخبارربورتاجمجتمعمستجدات

الدواء والإدماج… معاناة أطفال اضطراب نقص الانتباه

يخوض آلاف الأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه مع أو بدون فرط الحركة (ADHD) وأسرهم في المغرب معركة يومية لا تقتصر على التعايش مع اضطراب عصبي نمائي معترف به علميا، بل تمتد إلى البحث عن العلاج المناسب، وتأمين حقهم في التمدرس داخل بيئة دامجة، ومواجهة أعباء مالية ونفسية تثقل كاهل العائلات. وبينما تتواصل مطالب الأسر بتوفير الأدوية وتعزيز خدمات المواكبة، تؤكد جمعيات مدنية أن الانتظار طال أكثر مما ينبغي، وأن الحقوق الأساسية لهذه الفئة ما تزال رهينة بطء الإجراءات.

وتروي فاطمة سعيدي، أم لطفل مصاب بالاضطراب ورئيسة اللجنة الوطنية لاضطراب تشتت الانتباه مع أو بدون فرط الحركة، المنضوية تحت لواء المرصد المغربي للتربية الدامجة، في تصريح لـ”رسالة24″،  أن رحلتها مع ابنها بدأت منذ سنوات الدراسة الأولى، حيث واجه صعوبات كبيرة في الاندماج داخل المؤسسة التعليمية رغم تسجيله بإحدى المدارس الخاصة، قبل أن تتمكن الأسرة من العثور على مؤسسة أكثر تفهما لطبيعة الاضطراب واحتياجات الأطفال المصابين به.

وتؤكد أن تجاوز ابنها لتلك المرحلة لم يكن نتيجة ظروف المؤسسة وحدها، بل جاء ثمرة مواكبة يومية من الأسرة، وتعاون عدد من الأطر التربوية التي أبدت تفهما للحالة، معتبرة أن هذه التجارب الإيجابية لا تزال محدودة، بينما تستمر أسر كثيرة في مواجهة صعوبات مع مؤسسات تعليمية تفتقر إلى التكوين والوسائل اللازمة لاستقبال هؤلاء الأطفال.

وتشدد سعيدي على أن الأزمة الأكبر تبقى مرتبطة بالعلاج الدوائي، موضحة أن عددا من الأسر عاش لسنوات على وقع الانقطاع المتكرر للأدوية المخصصة لهذا الاضطراب، واضطر إلى البحث عنها خارج المغرب، سواء عبر أقارب يقيمون بأوروبا أو من خلال السفر إلى دول أخرى من أجل اقتناء العلاج، وهو ما كلف بعض الأسر مبالغ مالية كبيرة لا تستطيع جميع العائلات تحملها.

وتضيف أن بعض الأدوية كانت تباع بأثمان مرتفعة، قبل أن تختفي من السوق الوطنية، ما جعل الأسر تعيش حالة دائمة من القلق خوفا من انقطاع العلاج، خاصة أن كثيرا من الأطفال يحتاجون إليه بصفة منتظمة للمساعدة على تحسين التركيز والتحصيل الدراسي والاندماج الاجتماعي.

ولا تقتصر معاناة الأسر على توفير الدواء، بل تشمل أيضا رحلة طويلة مع الإجراءات الإدارية. وفي هذا السياق، يؤكد أحمد الحوات رئيس المرصد المغربي للتربية الدامجة، في تصريح لـ”رسالة24″، أن سنة كاملة مرت على الاجتماع الذي جمع اللجنة الوطنية لاضطراب تشتت الانتباه مع أو بدون فرط الحركة بالمدير العام للوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، والذي تم خلاله الالتزام بالعمل على تسريع المسطرة القانونية الخاصة بتوفير دوائي الريتالين والكونسيرطا.

وأوضح المتحدث، أن اللجنة اختارت، منذ ذلك اللقاء، منح المؤسسات الوقت الكافي لإيجاد حلول، مفضلة الحوار والتعاون المؤسساتي على التصعيد، غير أن مرور عام كامل دون تحقيق النتائج التي كانت تنتظرها الأسر دفعها إلى الخروج ببيان جديد، معتبرة أن الصمت لم يعد موقفا مسؤولا، وأن استمرار تعذر الولوج إلى العلاج ينعكس بشكل مباشر على حياة الأطفال ومستقبلهم الدراسي.

وأشار رئيس المرصد،  إلى أن الوقت الذي يضيع في المساطر الإدارية هو نفسه الوقت الذي يفقد فيه الطفل فرصا ثمينة للتعلم والاندماج، بينما تعيش الأسر تحت ضغط نفسي واجتماعي متواصل، في ظل غياب أجوبة واضحة حول مآل الملف والآجال الزمنية لتوفير العلاج بشكل منتظم.

وتؤكد سعيدي أن توفير الدواء، رغم أهميته، لا يمثل سوى جزء من منظومة الرعاية التي يحتاجها الأطفال المصابون بالاضطراب، موضحة أن عددا كبيرا منهم يحتاج أيضا إلى جلسات تقويم النطق، والعلاج النفسي الحركي، والمواكبة النفسية، والدعم البيداغوجي، بالنظر إلى ارتباط الاضطراب في حالات كثيرة بصعوبات التعلم.

وتعتبر أن المدرسة تمثل الحلقة الأساسية في نجاح هؤلاء الأطفال، غير أن عددا من المؤسسات التعليمية ما يزال غير مهيأ لاستقبالهم، سواء بسبب نقص التكوين أو غياب الوسائل الضرورية، وهو ما يؤدي أحيانا إلى رفض تسجيل بعض الأطفال أو عدم توفير التكييفات البيداغوجية التي يحتاجونها.

وتضيف أن الأسر تتحمل كذلك تكاليف إضافية لتوفير مرافقين تربويين داخل بعض المؤسسات، وهي مصاريف قد تصل إلى آلاف الدراهم شهريا، فضلا عن غياب تعميم الامتحانات المكيّفة بالشكل الذي يضمن تكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين.

وفي بلاغ سابق للمرصد المغربي للتربية الدامجة ، شددت اللجنة الوطنية على أن اضطراب تشتت الانتباه مع أو بدون فرط الحركة ليس قضية هامشية، وإنما اضطراب عصبي نمائي معترف به علميا، وأن العلاج الدوائي يشكل بالنسبة إلى فئة واسعة من المصابين جزءا أساسيا من الخطة العلاجية إلى جانب المواكبة النفسية والتربوية، معتبرة أن تعذر الولوج إليه يمس الحق في الصحة والحق في التعليم والحق في تكافؤ الفرص والكرامة.

وانتقد المرصد استمرار حالة الانتظار، معتبرا أن الوعود لا تكتسب قيمتها إلا عندما تنعكس على حياة المواطنين، وأن الحقوق لا ينبغي أن تبقى رهينة بطء المساطر الإدارية، داعيا الحكومة ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية إلى تقديم توضيحات رسمية حول مآل الملف، والإجراءات المتخذة، والجدول الزمني لاستكمالها.

وناشد المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط وباقي الهيئات الدستورية والحقوقية مواكبة هذا الملف باعتباره قضية حقوقية تمس بصورة مباشرة الحق في العلاج، مؤكدا استمرار اللجنة الوطنية في الترافع المدني والقانوني إلى حين ضمان ولوج فعلي ومستدام للأدوية الخاصة بالاضطراب.

ورغم حجم التحديات، تؤكد الأسر أن مطلبها لا يتعلق بالحصول على امتيازات خاصة، وإنما بضمان حقوق يكفلها الدستور، في مقدمتها الحق في العلاج والتعليم الدامج وتكافؤ الفرص.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock