آخر أخبارحواراتمجتمعمستجداتوطني

محلل سياسي يحذر من “الوعود الفضفاضة” قبيل انتخابات 2026

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، تتزايد التحركات الحزبية وتتسع دائرة الوعود الانتخابية، في وقت يطرح فيه النقاش حول مدى واقعية البرامج المقدمة وقدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة

وفي هذا الحوار مع “رسالة 24″، يسلط المحلل السياسي مصطفى التاج الضوء على طبيعة الخطاب الانتخابي، وشروط تحويل الوعود إلى التزامات قابلة للتنفيذ والقياس، محذراً من اختزال البرامج الحزبية في شعارات انتخابية هدفها استمالة الناخبين.

بداية، كيف تقرأون طبيعة المرحلة الانتخابية الحالية، في ظل اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026؟

 رغم أن السؤال يبدو بسيطا، فإنه في الواقع مركب، ويمكن أن ينطبق عليه وصف “السهل الممتنع”، لأننا نعيش اليوم زمنا انتخابيا بامتياز، تتحكم فيه اللحظة الانتخابية وتفرض نفسها على المشهد السياسي. ويمكن القول إن هذه اللحظة أصبحت حاضرة بقوة، خاصة مع الزخم الذي يسبق الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.

واللافت أن الحملة الانتخابية تبدو، من الناحية العملية، وكأنها انطلقت قبل موعدها الرسمي، ليس بأيام فقط، وإنما بأسابيع، بل ربما بأشهر. فقد تابعنا تحركات القيادات والزعامات الحزبية في عدد من المناطق، سواء في السهول أو الجبال أو المدن الكبرى والصغرى والمتوسطة، وهو ما يعكس حضورا ميدانيا متزايدا للأحزاب السياسية.

إلى جانب ذلك، نلاحظ اليوم تنامي الحملات الرقمية، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو منصة “يوتيوب” وغيرها من الوسائط، ناهيك عن تعاطي وسائل الإعلام مع هذه التحركات والحملات. وبالتالي، فإن الزمن الانتخابي فرض نفسه بشكل مبكر، وأصبحنا عمليا أمام حملة انتخابية سبقت أوانها الرسمي.

في ظل هذا السياق، هل نحن أمام برامج انتخابية مبنية على إمكانيات وموارد واضحة، أم أمام وعود تستهدف بالأساس استمالة الناخبين؟

 أعتقد أن الجواب يمكن أن يكون “نعم” في الاتجاهين معا. فنحن بالفعل أمام حملة انتخابية فرضت نفسها، وفي الوقت ذاته نلاحظ أن البرامج الانتخابية المقدمة تتضمن وعودا. لكنها لا تكون دائما مصحوبة بالتفاصيل الكافية التي تجعل منها برامج قابلة للتنفيذ.

فاليوم نرى حزبا يقدم برنامجه من خلال خمسة محاور كبرى، ويلخص مجمل تصوره الانتخابي في هذه المحاور، فيما تقدم أحزاب أخرى عشرين تدبيرا أو عشرة تدابير، أو اثني عشر تدبيرا. وهناك من يقدم برنامجه في شكل ندوة صحافية أو مجموعة من الخطابات والتصريحات الانتخابية، بدل أن يقدم برنامجا متكاملا تتوفر فيه العناصر التي تسمح للناخب بفهم كيفية تنزيل الوعود المقترحة.

وهنا أعتقد أن البرنامج الانتخابي يجب أن يكون حاسما وواضحا، لأنه لا يمكن، على سبيل المثال، أن يقدم حزب وعدا بخلق مليون منصب شغل، ثم يترك هذا الوعد من دون تفاصيل حول كيفية تحقيقه. يجب أن نعرف ما هي القطاعات الحكومية أو الاقتصادية التي ستوفر هذه المناصب، وكيف سيتم توزيعها بين القطاعات، وما حجم الاستثمارات المطلوبة لتحقيق هذا الهدف، وما هي السياسات العمومية التي سيتم اعتمادها، وما الكلفة المالية المترتبة عن ذلك.

و يجب تحديد مصادر تمويل هذه المشاريع والإجراءات، ومدى تأثيرها على ميزانية الدولة، وما إذا كانت هناك إجراءات ضريبية أو مالية يمكن اعتمادها لتوفير الموارد اللازمة لإحداث هذه المناصب الجديدة.

 هل يكفي الإعلان عن عدد محدد من مناصب الشغل، أم أن الأمر يتطلب تحديد آجال ومؤشرات لقياس مدى تحقق هذه الوعود؟

 بالتأكيد، لأن الحديث عن خلق مليون منصب شغل لا يمكن أن يبقى مجرد رقم أو وعد انتخابي. يجب أن نعرف، مثلا، ما هي الآجال التي سيتم خلالها تنفيذ هذا الالتزام. هل سيتم خلق 200 ألف منصب سنويا؟ هل سيتم توزيعها على القطاعات؟ هل ستكون هناك مناصب مباشرة وأخرى غير مباشرة؟ كل هذه التفاصيل ضرورية حتى يصبح الوعد الانتخابي قابلاً للقياس والتقييم.

نحن بحاجة أيضا إلى مؤشرات قياس واضحة، حتى لا يأتي أي حزب، كيفما كان موقعه، ويقدم مجموعة من الوعود الكبيرة من دون أن تكون هناك مؤشرات على أرض الواقع تسمح للناخبين لاحقا بمعرفة ما تحقق منها وما لم يتحقق.

وماذا عن القدرة الشرائية؟ يبدو أنها أصبحت من أبرز العناوين التي تحضر في الخطاب الانتخابي للأحزاب؟

 بالفعل، فالقدرة الشرائية أصبحت تقريبا من الشعارات التي تحاول مختلف الأحزاب السياسية رفعها، وهي نقطة تكاد تكون مشتركة في الخطابات الانتخابية الحالية. والسبب واضح، لأن المواطن المغربي، بمختلف فئاته الاجتماعية، يشعر اليوم بوجود ارتفاع في الأسعار وغلاء في تكاليف المعيشة.

ولهذا أصبحت القدرة الشرائية موضوعا سهلا بالنسبة للأحزاب لطرحه في خطابها الانتخابي، باعتباره موضوعا يلامس الحياة اليومية للمواطنين بشكل مباشر. لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في طرح هذا الموضوع، وإنما في كيفية الانتقال من مجرد شعار انتخابي إلى إجراءات وتدابير عملية يمكن أن تحسن فعلا القدرة الشرائية للمواطنين.

ما الذي ينبغي، في نظركم، أن تتضمنه البرامج الانتخابية حتى لا تتحول إلى مجرد خطابات انتخابية ووعود؟

أعتقد أن الأحزاب السياسية، عموما، مطالبة بمراجعة خطابها السياسي وبرامجها الانتخابية، حتى لا تختصر البرنامج الانتخابي في خطاب قائم على الوعود فقط، من دون إجراءات أو تدابير واضحة، ومن دون مراعاة المشاكل الحقيقية التي يعيشها السكان.

يجب أن تكون هناك أولويات واضحة، وأن يتم تحديد الإجراءات والتدابير اللازمة لتنفيذها، مع مناقشة الكلفة المالية والبحث عن مصادر التمويل، ثم تحديد آجال التنفيذ. وعندما نتحدث عن آجال التنفيذ، يجب أن تكون هذه الآجال مرتبطة أيضا بمؤشرات قياس واضحة تسمح بالتقييم والتقويم.

هذه، في اعتقادي، هي العناصر الأساسية التي ينبغي أن يتضمنها كل برنامج انتخابي. و يجب تقسيم البرامج إلى محاور واضحة، من قبيل المحاور المرتبطة بالبنيات التحتية، والسياسات الاجتماعية، والجانب السياسي، والقطاع الاقتصادي، وغيرها من المجالات التي تهم المواطنين بشكل مباشر.

وهذا النوع من التفصيل ما زال، إلى حدود اليوم، حاضرا بشكل محدود، بينما يغيب بشكل كبير عن عدد من البرامج التي تم تقديمها.

 ألا تخشون أن تتحول بعض هذه الوعود إلى وسيلة لاستمالة الناخبين فقط، خصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات؟

هذا هو التخوف الحقيقي. فالأحزاب مطالبة بأن ترتقي بنفسها وبعملها السياسي، وألا تسقط في منطق الوعود غير القابلة للتحقق. وهناك مقولة شهيرة منسوبة إلى أوتو فون بسمارك، مؤسس نظام الحماية الاجتماعية في ألمانيا، مفادها أن الكذب يكثر في أوقات الصيد والحرب وقبيل الانتخابات.

والخوف اليوم هو أن تكون بعض الوعود التي نسمعها عبر وسائل الإعلام مجرد وعود انتخابية لا تستند إلى إمكانية حقيقية للتنفيذ، وأن يتم استغلال اللحظة الانتخابية لتقديم وعود بهدف دغدغة عواطف الناخبين واستمالتهم وحصد أصواتهم.

المطلوب، في المقابل، هو أن تقدم الأحزاب برامج واقعية، واضحة وقابلة للتنفيذ والقياس، وأن تتحمل مسؤوليتها السياسية تجاه المواطنين، لأن الانتخابات لا ينبغي أن تكون مناسبة لإطلاق وعود فضفاضة، وإنما محطة لتقديم اختيارات وبرامج يمكن مساءلة أصحابها بشأنها لاحقا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock