انتقد عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، ما اعتبره فجوة بين الخطاب الرسمي حول دعم المقاولات الصغيرة جدا وبين شروط الاستفادة الفعلية من برامج المواكبة والاستثمار، معتبرا أن هذه الفئة ما تزال بحاجة إلى سياسة عمومية أكثر تخصصا تستجيب لطبيعة نشاطها وإمكاناتها المالية.
وأوضح الفركي، في تصريح لـ”رسالة 24″، أن النقاش لا يتعلق، في نظره بغياب البرامج الحكومية الموجهة إلى المقاولات، وإنما بمدى قدرة هذه البرامج على الوصول إلى أوسع قاعدة من النسيج الاقتصادي الوطني، خصوصا المقاولات الصغيرة جدا التي تشكل، بحسب المعطيات التي استند إليها، الغالبية الساحقة من المقاولات بالمغرب.
وأشار إلى أن برامج من قبيل “ميثاق المقاولات الصغرى” وبرنامج دعم استثمارات المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، رغم ما تحمله من أهداف مرتبطة بالمواكبة وتحفيز الاستثمار، تظل محدودة الأثر بالنسبة إلى عدد كبير من المقاولات الصغيرة جدا بسبب طبيعة الشروط والمعايير المعتمدة للاستفادة.
واعتبر رئيس الكونفدرالية أن الإشكال الأساسي يكمن في وجود مسافة بين تسمية بعض البرامج، التي تشمل المقاولات الصغيرة جدا، وبين الآليات الموضوعة فعليا أمام هذه المقاولات، مؤكدا أن إدراجها ضمن الخطاب والبرامج لا يكفي ما لم تواكب ذلك أدوات تمويل ومواكبة مصممة وفق خصوصياتها.
وفي هذا السياق، دعا الفركي إلى إحداث مؤسسة وطنية متخصصة تحت اسم “Maroc TP” تكون مهمتها مواكبة المقاولات الصغيرة جدا وتقديم خدمات تتلاءم مع احتياجاتها، من التمويل والتوجيه إلى التكوين وتطوير النشاط.
ويرى المتحدث أن هذه الخطوة من شأنها سد ما يعتبره فراغا مؤسساتيا في مواكبة هذه الفئة، خصوصا أن مؤسسة “مغرب المقاولات” تركز أساسا على المقاولات الصغرى والمتوسطة، في حين تحتاج المقاولات الصغيرة جدا، بحسب تصوره، إلى آليات أكثر قربا ومرونة.
وانتقد الفركي الطريقة التي يتم بها التعامل مع مفهوم الاستثمار، معتبرا أن ربط الاستفادة من بعض برامج الدعم ببلوغ مستويات مرتفعة من الاستثمار قد يحرم عددا كبيرا من أصحاب المشاريع الصغيرة من الولوج إليها.
وأوضح أن اشتراط استثمار لا يقل عن مليون درهم للاستفادة من بعض آليات دعم الاستثمار يجعل جزءا كبيرا من المقاولات الصغيرة جدا خارج دائرة المستفيدين، لأن قدراتها التمويلية لا تسمح لها غالبا ببلوغ هذا السقف.
وأكد أن تقييم المشاريع لا ينبغي أن يقوم فقط على حجم رأس المال المرصود، بل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار قدرتها على خلق القيمة وفرص الشغل والاستمرار في السوق.
وفي المقابل، يرى الفركي أن المشاريع الصغيرة قد تكون أكثر قدرة على خلق فرص الشغل مقارنة ببعض الاستثمارات الكبرى التي تتطلب مبالغ مالية ضخمة، داعيا إلى إعادة التفكير في طرق تقييم نجاعة الاستثمار العمومي والخاص.
ووجه انتقادات إلى طريقة اشتغال المراكز الجهوية للاستثمار، معتبرا أن طبيعة مهامها تجعل اهتمامها ينصب بدرجة أكبر على المشاريع الاستثمارية الكبرى، بينما تحتاج المقاولات الصغيرة جدا إلى مواكبة قريبة ومستمرة تمكنها من تجاوز العراقيل الإدارية والتمويلية والتقنية.
وقال إن المقاولة الصغيرة جدا لا تحتاج فقط إلى التمويل، بل إلى منظومة متكاملة تبدأ من مرحلة إنشاء المشروع وتمتد إلى تطويره والولوج إلى الأسواق وتحسين الإدارة والتدبير، مشددا على أن غياب هذه المواكبة قد يؤدي إلى تعثر مشاريع قادرة على خلق قيمة اقتصادية محلية.
ويربط الفركي هذا الطرح أيضا بموضوع تشغيل الشباب، معتبرا أن تشجيع المشاريع ذات الكلفة الاستثمارية المحدودة يمكن أن يشكل إحدى الآليات العملية لتوسيع قاعدة خلق فرص الشغل، خصوصا بالنسبة إلى حاملي الأفكار والمشاريع الجديدة.
وشدد رئيس الكونفدرالية على أن دعم المقاولات الصغيرة جدًا لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراء اجتماعيا فقط، وإنما باعتباره خيارا اقتصاديا يمكن أن يساهم في توسيع قاعدة الإنتاج، وتحفيز المبادرة الخاصة، وخلق فرص الشغل، وتعزيز التنمية على المستوى المحلي والجهوي.
وخلص الفركي إلى أن التحدي المطروح أمام السياسات العمومية لا يتمثل فقط في إطلاق برامج جديدة، وإنما في ضمان وصولها إلى الفئات التي تشكل الجزء الأكبر من النسيج المقاولاتي، معتبرا أن أي استراتيجية تستهدف تطوير الاقتصاد الوطني مطالبة بإعطاء المقاولات الصغيرة جدا مكانة تتناسب مع وزنها الحقيقي داخل الاقتصاد.
