في سياق حصيلة سنة 2025، التي وسمت بتقلبات مناخية غير مسبوقة وتحديات بيئية متفاقمة يفرض سؤال المناخ نفسه كأحد أبرز رهانات الحاضر والمستقبل بالمغرب. موجات حر قياسية جفاف متواصل ووقائع فيضانات محلية متفرقة كلها مؤشرات تؤكد دخول البلاد مرحلة دقيقة من عدم الاستقرار المناخي. ولمقاربة هذه التحولات وانعكاساتها على الموارد المائية والقطاع الفلاحي والاقتصاد الوطني، حاورت “رسالة 24” الخبير البيئي مصطفى بنرامل، الذي قدم قراءة تحليلية لحصيلة السنة المناخية ووقف عند جذور الأزمة كما استعرض أبرز التحديات والحلول الاستراتيجية المطلوبة لمواجهة آثار التغير المناخي وضمان الأمن المائي والبيئي للمملكة.
كيف تصف الوضع المناخي في المغرب خلال سنة 2025؟
يؤكد مصطفى بنرامل أن سنة 2025 شكلت واحدة من أكثر السنوات المناخية صعوبة في المغرب، إذ برزت فيها بوضوح آثار التغير المناخي على مختلف جهات البلاد. فقد تميزت السنة بتداخل موجات حر شديدة مع استمرار الجفاف إلى جانب تقلبات غير مألوفة في التساقطات المطرية. وسجلت أشهر الصيف ارتفاعات قياسية في درجات الحرارة تجاوزت المعدلات الموسمية بشكل لافت في عدد من المناطق، ما زاد من الضغط على الصحة العامة والأنشطة الإنتاجية في سياق إقليمي يتسم بتفاقم آثار الاحتباس الحراري بشمال إفريقيا. وفي المقابل، استمر الجفاف المزمن مع تراجع كبير في الأمطار وهو ما أثر مباشرة على المخزون المائي والزراعة والأنظمة البيئية وعمق الضغط على السدود والفرشات الجوفية. ورغم هذا الوضع شهدت بعض المناطق أمطارا غزيرة ومفاجئة أدت إلى فيضانات محلية كما حدث في مدينة آسفي، وهو ما يعكس حدة التباين بين فترات الجفاف الطويلة والهطولات القوية القصيرة. ويرى الخبير أن هذه التحولات تركت آثارا ملموسة على المجتمع والبيئة وأكدت الحاجة الملحة إلى تسريع سياسات التكيف والتخفيف، مبرزا أن سنة 2025 كانت مؤشرا واضحا على تزايد عدم الاستقرار المناخي في المغرب.
ما أبرز التغيرات المسجلة في درجات الحرارة والتساقطات؟
يشير بنرامل إلى أن المؤشرات المناخية خلال 2025 كانت دالة بوضوح على تسارع آثار التغير المناخي سواء على مستوى الحرارة أو الأمطار. فقد واصل منحنى درجات الحرارة صعوده مقارنة بالفترة المرجعية 1991-2020، حيث أظهرت معطيات الأرصاد الجوية ارتفاعا متوسطا يقارب 1.5 درجة مئوية خلال السنوات الأخيرة، وهو اتجاه استمر تأثيره خلال 2025. وسجلت أشهر صيف أكثر حرارة إذ عرف شهر يونيو مستويات تفوق المعدل الموسمي بأكثر من 1.6 درجة مئوية مع تجاوز درجات الحرارة القصوى عتبة 40 درجة بشكل متكرر وبلوغها مستويات قياسية قاربت 47 درجة في بعض المناطق. كما لوحظ تباين واضح بين الأشهر ما يعكس تقلبا حراريا متزايدا على المدى القصير وعلى مستوى التساقطات استمر العجز المطري للسنة السابعة على التوالي، مع نقص يناهز ربع المعدل السنوي الطبيعي وهو ما انعكس سلبا على الموارد المائية. ورغم ذلك، ساهمت أمطار مارس وبداية أبريل في تحسين الوضع ببعض المناطق ورفعت من توقعات محصول الحبوب ما يؤكد أهمية التوزيع الزمني للأمطار غير أن هذه الهطولات يضيف الخبير، لا تعوض العجز البنيوي خاصة مع تسجيل أمطار غزيرة ومفاجئة تسببت في فيضانات محلية دون أن تغير الاتجاه العام للجفاف.
هل يواجه المغرب موجات جفاف متكررة أم أن سنة 2025 كانت استثنائية؟
يوضح الخبير البيئي أن الحديث عن سنة جفاف استثنائية بمعزل عن السياق العام ليس دقيقا، لأن المغرب يعيش في الواقع موجات جفاف متكررة وممتدة منذ أكثر من سبع سنوات. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن هذه السلسلة قد تمتد إلى ثماني سنوات متتالية بحلول 2025، في ظل تقلبات مناخية حادة وغير مسبوقة. ويؤكد أن الجفاف الحالي ليس حدثا عابرا، بل نتيجة تغيرات مناخية عالمية وإقليمية أدت إلى تراجع طويل الأمد في التساقطات وارتفاع مستمر في درجات الحرارة. وقد أسهمت هذه الوضعية في انخفاض كبير في مخزون المياه السطحية والجوفية حيث لم تعد الأمطار الموسمية المحدودة قادرة على تعويض العجز المتراكم. وخلص بنرامل إلى أن سنة 2025 تمثل حلقة ضمن نمط طويل من الجفاف المتكرر وليست حالة منفصلة أو استثنائية.
ما انعكاسات هذه التقلبات على الموارد المائية والقطاع الفلاحي والاقتصاد الوطني؟
يبرز بنرامل أن انعكاسات الجفاف والتقلبات المناخية عميقة ومتعددة الأبعاد، إذ أدت إلى ضغط غير مسبوق على الموارد المائية مع تراجع مقلق في نسب ملء السدود التي نزلت في فترات عديدة إلى أقل من ربع طاقتها إلى جانب استنزاف متسارع للفرشات الجوفية. أما القطاع الفلاحي، باعتباره أكبر مستهلك للمياه فقد كان من أكثر القطاعات تضررا، خاصة الزراعات البورية وتربية الماشية حيث سجلت مواسم تراجعا حادا في إنتاج الحبوب واضطر العديد من الفلاحين إلى تقليص المساحات المزروعة أو تغيير أنشطتهم. كما أدى ذلك إلى ارتفاع كلفة الأعلاف وتراجع القطيع الوطني وانعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فإن تأثر الفلاحة التي تشكل رافعة أساسية للناتج الداخلي الخام وتشغل نسبة كبيرة من اليد العاملة القروية ساهم في تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع كلفة الدعم والاستيراد ما زاد من الضغط على المالية العمومية.
ما الحلول والاستراتيجيات المستقبلية لمواجهة استمرار الجفاف؟
يشدد الخبير على أن مواجهة الجفاف والتغير المناخي تتطلب رؤية شمولية وطويلة الأمد، تقوم على الانتقال من التدبير الظرفي إلى التكيف الهيكلي والاستباقي. ويؤكد أهمية تنويع مصادر الماء عبر تسريع مشاريع تحلية مياه البحر وربطها بالطاقات المتجددة إلى جانب توسيع إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة. كما يدعو إلى إعادة هيكلة السياسة الفلاحية نحو زراعات أقل استهلاكا للماء وتعزيز تقنيات السقي الذكي، مع حماية الفرشات المائية ومراقبة الاستغلال غير المنظم. وعلى مستوى السياسات العمومية، يرى بنرامل ضرورة اعتماد مقاربات استباقية مبنية على المعطيات العلمية وإدماج البعد المناخي في التخطيط الترابي والاستثمار العمومي مع تعزيز التنسيق بين القطاعات ودعم البحث العلمي. ويبرز أيضا الدور المحوري للجماعات الترابية في التدبير المحلي للماء والتحسيس إلى جانب دور المواطن والمجتمع المدني في ترشيد الاستهلاك ونشر ثقافة المحافظة على الموارد. ويخلص إلى أن نجاح المغرب في مواجهة هذا التحدي لن يتحقق بالحلول التقنية فقط بل برؤية جماعية تقوم على الحكامة الجيدة والعدالة المائية، باعتبار الماء رهانًا استراتيجيًا للأمن والاستقرار.

