أعادت مدريد ملف العلاقات مع الرباط إلى الواجهة، عقب استدعاء سفيرة المغرب لدى إسبانيا على خلفية تصريحات رسمية بشأن سبتة ومليلية، في خطوة أثارت تساؤلات حول خلفياتها السياسية ومدى تأثيرها على الشراكة بين البلدين.
وفي هذا السياق، يشرح محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات، لـ”رسالة 24″ دلالات التحرك الإسباني وحساباته الداخلية، وانعكاساته المحتملة على مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية.
اعتبر محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات، أن استدعاء مدريد سفيرة المغرب لديها، كريمة بنعيش، على خلفية تصريحات لوزيري العدل والأوقاف المغربيين بشأن مغربية مدينتي سبتة ومليلية، يشكل محطة دبلوماسية اتسمت بـ”الحذر الشديد”، في ظل حرص البلدين على احتواء الخلاف وعدم السماح له بالتأثير على مسار العلاقات الثنائية.
وأوضح الطيار أن التحرك الإسباني جاء في سياق تزامن مع أحداث التسلل الجماعي التي شهدتها منطقة سبتة، مشيرا إلى أن الأوساط السياسية في مدريد تعاملت مع تصريحات الوزيرين باعتبارها تجاوزا للوضع القائم وتحديا للسيادة الإسبانية.
وسجل رئيس المرصد أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي أعاد التأكيد علنا على ما يعتبره المغرب حقوقا تاريخية وجغرافية في المدينتين، بينما حملت تصريحات وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، وفق قراءة الطيار، “نبرة أكثر حساسية”، من خلال استحضار الذاكرة العلمية والتاريخية لمدينة سبتة والإشارة إلى تحرير المدن المحتلة خلال نشاط ديني رسمي.
خطوة مرتبطة بالحسابات السياسية الداخلية
ويرى الطيار أن قرار استدعاء السفيرة المغربية لا يعكس رغبة إسبانية في نسف العلاقات مع الرباط، بقدر ما تحكمه دوافع سياسية داخلية، خصوص في ظل الضغوط التي يواجهها رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، من الحزب الشعبي وأحزاب اليمين المتطرف، على خلفية اتهامات له بالتساهل مع المغرب.
وبحسب رئيس المرصد، فإن الإعلان عن الاستدعاء أمام البرلمان الإسباني يمكن قراءته باعتباره “ورقة سياسية” تهدف إلى امتصاص انتقادات المعارضة وتهدئة الجدل الداخلي، مع إعادة التأكيد على الموقف الإسباني التقليدي من وضعية سبتة ومليلية.
وفي المقابل، يلفت الطيار إلى أن مدريد حرصت على الفصل بين الخلاف السياسي وبين التعاون الميداني، مستشهدا بمسارعة سانشيز إلى تبرئة السلطات المغربية من أي تخطيط أو تسهيل لأحداث التسلل الجماعي إلى سبتة، مع إشادته بمستوى التنسيق الأمني بين البلدين.
الرباط تتعامل مع التطور بـ”النفس الطويل”
وفي قراءته للموقف المغربي، قال الطيار إن الرباط تعاملت مع الخطوة الإسبانية بـ”هدوء دبلوماسي وواقعية سياسية”، معتبرا أن توقيت الإعلان عن الاستدعاء، بعد مرور أسابيع على حدوثه، يعزز فرضية ارتباطه، بالدرجة الأولى، بالحسابات السياسية الداخلية لرئيس الحكومة الإسبانية أمام البرلمان.
وأضاف أن تصريحات المسؤولين المغاربة بشأن سبتة ومليلية تندرج، وفق تقديره، ضمن التأكيد المستمر على أن الشراكة الاستراتيجية مع إسبانيا لا تعني التخلي عن ملف المدينتين أو إخراجه من جدول الأعمال التاريخي للمملكة.
وفي الوقت نفسه، اعتبر الطيار أن إشادة سانشيز بالدور المغربي في ضبط الحدود تمثل مؤشراً إيجابياً بالنسبة للرباط، خصوصاً أنها تنفي توجيه اتهام مباشر للمغرب باستخدام ورقة الهجرة للضغط على إسبانيا.
لا مؤشرات على أزمة شاملة
ويرجح رئيس المرصد الوطني للدراسات ألا تقود هذه التطورات إلى أزمة دبلوماسية شاملة أو قطيعة بين الرباط ومدريد، معتبرا أن الطرفين يمتلكان من المصالح المشتركة ما يدفعهما إلى إبقاء الخلاف تحت السيطرة وعزله عن باقي مجالات التعاون.
وأوضح أن التعاون في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، ومحاربة شبكات التهريب، فضلا عن الشراكة الاقتصادية المتنامية، يمثل بالنسبة إلى البلدين خيارا مصيريا لا غنى عنه، وهو ما يجعل من المرجح أن تتجه المرحلة المقبلة نحو معالجة تقنية للخلافات، بدل تحويلها إلى أزمة سياسية مفتوحة.
وفي هذا الإطار، يتوقع الطيار أن ينصب التركيز على تطوير آليات تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمنية، وتعزيز قنوات التنسيق بين البلدين، فضلا عن تطوير آليات للإنذار المبكر بهدف تفادي أي تحركات مفاجئة على السياج الحدودي مستقبلا.
وبحسب رئيس المرصد، فإن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية سيظل محكوما بمعادلة تقوم على إدارة الخلاف حول سبتة ومليلية من جهة، والحفاظ على المصالح الاستراتيجية المشتركة في مجالات الأمن والهجرة والاقتصاد من جهة أخرى، بما يمنع عودة العلاقات إلى سيناريو الأزمة التي طبعت سنة 2021.
