أكد البنك الدولي أن التحول الرقمي يمثل أحد أبرز الرهانات الاستراتيجية أمام المغرب لرفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، معتبرا أن المكتسبات التي حققتها المملكة في السنوات الأخيرة تحتاج إلى مواصلة الإصلاحات وتسريع وتيرتها حتى تنعكس بشكل أكبر على النمو الاقتصادي وجودة الخدمات.
وجاء ذلك ضمن تقرير أصدره البنك الدولي، حول الوضعية الاقتصادية للمغرب، بعنوان “تعزيز النمو: التحول الرقمي كمحرك للإنتاجية”، حيث أبرز أن المملكة حققت تقدما ملحوظا في عدد من المجالات الرقمية، من بينها توسيع الولوج إلى الإنترنت، وارتفاع استخدام الهاتف المحمول، وتطوير الخدمات العمومية الرقمية، ورقمنة الأداءات، وتحسين منظومة الهوية الرقمية، فضلا عن تعزيز البنية التحتية الرقمية.
ورغم هذا التقدم، سجل التقرير استمرار مجموعة من التحديات، أبرزها تفاوت جودة الولوج إلى الإنترنت، وضعف اعتماد المقاولات الصغيرة والمتوسطة على التقنيات الرقمية، إلى جانب محدودية المهارات الرقمية، والتفاوت في مستوى الخدمات الرقمية بين الإدارات، فضلا عن محدودية استغلال البيانات في صنع القرار.
وأوضح البنك الدولي أن الرقمنة تؤدي دورا مباشرا في رفع الإنتاجية، وتحسين إدارة البيانات، وتسريع وتيرة الابتكار، والرفع من كفاءة الفاعلين الاقتصاديين، مع تقليص تكاليف المعاملات، وهو ما يجعلها محركا أساسيا للنمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
وفي ما يتعلق بالنسيج المقاولاتي، أشار التقرير إلى وجود تفاوت واضح في مستوى التحول الرقمي بين الشركات، إذ تعتمد المقاولات الكبرى بشكل أكبر على الحلول الرقمية، بينما لا تزال نسبة واسعة من المقاولات الصغيرة والمتوسطة تستخدم تقنيات تقليدية، مع ضعف الاستثمار في الرقمنة ونقص الكفاءات المتخصصة، معتبرا أن دعم هذه الفئة يشكل أولوية لتحسين الإنتاجية الوطنية.
وسجل التقرير أيضا التقدم الذي أحرزه المغرب في رقمنة الخدمات العمومية، معتبرا أن ذلك ساهم في تقليص آجال معالجة الملفات، وتحسين الشفافية، وتقليل الاحتكاك المباشر بين الإدارة والمرتفقين، لكنه دعا في المقابل إلى تطوير التشغيل البيني بين الإدارات، وتحسين جودة الخدمات الرقمية، وتوحيد المنصات، والاعتماد بشكل أكبر على البيانات في تدبير المرافق العمومية.
وفي محور الذكاء الاصطناعي، اعتبر البنك الدولي أن هذه التكنولوجيا تتيح للمغرب فرصة مهمة لتعزيز الإنتاجية، وتحسين الخدمات العمومية، وتطوير الصناعة، ودعم اتخاذ القرار، غير أن الاستفادة منها تبقى رهينة بتوفير إطار قانوني وتنظيمي ملائم، وبنية تحتية رقمية قوية، وبيانات عالية الجودة، إضافة إلى تنمية المهارات المتخصصة.
ولتحقيق هذه الأهداف، أوصى التقرير بتسريع تنفيذ استراتيجية التحول الرقمي، وتطوير الحكومة الرقمية، وتحسين استغلال البيانات الحكومية، والاستثمار في الكفاءات الرقمية، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، وتحسين مناخ الأعمال الرقمية، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع البنية التحتية عالية الصبيب، وتعزيز الأمن السيبراني، وتقوية التنسيق بين مختلف المؤسسات المعنية.
وخلص البنك الدولي إلى أن رقمنة الاقتصاد تمثل التحدي الاقتصادي المركزي للمغرب خلال السنوات المقبلة، مؤكدا أن نجاح هذا الورش يتوقف على تسريع التحول الرقمي داخل المؤسسات، وتطوير المهارات، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الابتكار، بما يضمن تحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة وشمولا.

