بقلم الأستاذ: عبد الله الفردوس _
التحقت يوم الجمعة الماضي دولة كولومبيا بقائمة دول أمريكا اللاتينية التي سحبت اعترافها بالكيان الانفصالي الوهمي لميليشيا بوليساريو، بعد عقود من الزمن عاثت فيها هذه الميليشيا وعرابها الجزائري فسادا بأمريكا الجنوبية، وتلقت منها التمويلات والمساعدات والتدريبات على حمل السلاح واحتضانات لمشاريعها ومخططاتها العدوانية ضد المغرب، دون أن تستفيد هذه الدول لا أخلاقيا ولا سياسيا ولا اقتصاديا من هذا الدعم لكيان وهمي ابتزازي، استنزف خزائنها وخيراتها وسياستها الخارجية، وتَرَبَّح لأزيد من نصف قرن من تجارته في قضايا مزيفة عن الصحراء والتحرير والثورة ومبدأ تقرير المصير، وتحديدا المتاجرة في مآسي المحتجزين والرهائن بمخيمات الذل والعار، وبأكبر سوق مغلق للنخاسة في العالم، يمثل وصمة عار على جبين دولة العصابة الحاكمة في الجزائر، والتي ما فتئت على مدى خمسين عاما، وإلى غاية اليوم، توسع خيم هذه السوق العشوائية وغير الشرعية وغير الإنسانية، لجلب أكبر قدر من الأموال والمساعدات الغذائية والطبية من المانحين، تحت غطاء دعم اللاجئين، ثُم تحويلها إلى حسابات دولة العصابة وقادة الميليشيا الانفصالية.
واليوم وبعد سنوات من المغالطة والتضليل بالشعارات المزيفة والفارغة في دول أمريكا اللاتينية، وبدء مرحلة إحصاء الخسارات والمحاسبة على المسؤوليات، وإنضاج خيارات إيديولوجية جديدة تقوم على الواقعية السياسية وعلى الانفتاح والاستثمار في العلاقات الدولية الوازنة، والشراكات الاستراتيجية القوية المربحة، والانخراط في مشاريع السلام والأمن والاستقرار والتعاون والتبادل بين الشعوب والدول، كان أول ما تبدأ به دول أمريكا اللاتينية خطواتها نحو الإصلاح والتغيير، بل والثورة على الجمود والتغرير، هو الفك العاجل لأي ارتباط للدولة ونظام الحكم الجديد بالمنظمات الإرهابية، وميليشيات الحرب الباردة التي اتخذت من أمريكا اللاتينية في مرحلة تاريخية طويت، معقلها ووكرها وقاعدة انطلاق أعمالها العدوانية على الاستقرار، والأمن والسلم العالميين، وعلى الوحدة الترابية للدول.
ولهذا السبب لا يستغرب أن يكون أول قرار سياسي سيادي مهم بالنسبة لكولومبيا ثالث قوة اقتصادية في أمريكا الجنوبية، هو ما اتخذته الرئاسة الكولومبية الجديدة، بل وخلال حفل تنصيب الرئيس المنتخب السيد أبيلاردو دي لا إسبريلا، وبعد ساعات من أداء الحكومة اليمين الدستوري، هو سحب الاعتراف بالكيان الانفصالي الوهمي للبوليساريو، والاعتراف مقابل ذلك بمغربية الصحراء، والانخراط التام في مسار الحل الأممي القاضي باعتماد الحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية، أساسا جديا وواقعيا ونهائيا وذا مصداقية لإغلاق هذا الملف الذي طال استغلاله والاتجار في مآسيه والمماطلة في تنفيذ توصياته وقراراته في التسوية السلمية للنزاع التي تحظى بإجماع دولي، خصوصا القرار الأخير لمجلس الأمن 2797 ذي الصفة المرجعية الإلزامية لمباشرة الحل.
ولعل بلوغ القرارات الأممية هذه المحطة النهائية في تنزيل الحل على أساس مرجعية القرار الأخير لمجلس الأمن، رغم تجاهله من الطرف الأساسي في النزاع المفتعل حول الصحراء، والمتمثل في العصابة الحاكمة في الجزائر، هو الذي ساهم إلى جانب النشاط القوي والفعال والإقناعي للديبلوماسية المغربية، في مسارعة دول أمريكا اللاتينية إلى استغلال هذا المناخ التوافقي الدولي التاريخي للتخلص من عبء الأطروحة الانفصالية المنحبسة والجامدة والمكلفة في العلاقات بين هذه الدول ودولة من حجم المغرب كقوة شرعية صاعدة ووازنة، وجسر للتعاون والتواصل والربط مع القارة الإفريقية، وهي كذلك الأطروحة المؤثرة سلبا في مسار التعاون “جنوب- جنوب” والذي يجمع القارتين الإفريقية والأمريكية الجنوبية. ينضاف إلى هذا السياق التطورات والتحيينات التي عرفتها المبادرة المغربية الأطلسية التي تتجاوز مجرد تمكين دول من الساحل الإفريقي الحبيسة من ولوج الأطلسي، إلى فتح ضفتي الأطلسي من إفريقيا إلى أمريكا على بعضهما، وجعل هذا المحيط فضاء وجسرا متكاملا، وعبر بنيات تحتية رائدة وقوية، لتسهيل استقبال وعبور السلع والخدمات والمواطنين بين الضفتين.
إن مثل هذه المبادرات الاستراتيجية الكبيرة والمغرية في مجالات التنمية والتجارة والسياحة والاستثمار وتبادل الخدمات والأموال والأعمال، لا يمكنها إلا أن تحظى بدعم كل الدول المعنية بها، لتوسيع انفتاحها على الأسواق الواعدة بالربح، وعلى الاستثمارات في الشراكات القوية، التي تعتبر الصحراء المغربية جوهرتها ومربط الفرس فيها ومنصتها وجسر العبور الآمن بين ضفتي الأطلسي بالنظر إلى ما توفره من موقع وبنى تحتية رائدة وتجهيزات حديثة ومحطات للربط، وموارد بشرية وكفاءات عالية محفزة وقادرة على استقبال وتدبير المبادرات والمشاريع.
لقد اختارت كولومبيا كما اختارت العديد من دول جوارها الأمريكي اللاتيني، القطع النهائي والشديد مع العهد البائد والخائب من التحالف مع العصابة الجزائرية ودميتها الانفصالية، والانخراط في عهد جديد واعد وحافل بالعطاء والعمل من أجل دعم الاستقرار والأمن واحترام الوحدة الترابية للدول، كمدخل أساسي ومعيار سياسي لقياس مدى صدق الصداقات ونجاعة الشراكات.
وختاما نعلم أن سعار العصابة الحاكمة في الجزائر بسبب الانسحابات من حلفها الشيطاني، وتوالي الاعترافات الدولية الوازنة بمغربية الصحراء، سيكلف الجزائر من جديد أن تُقَطّع أحدية حثالتها الديبلوماسية، وأن تلهث دون جدوى بكل ما تبقى لها من ثروات ووعد ووعيد وماء وجه، وراء الديبلوماسية المغربية بهدف استمالة الدول المنسحبة والساحبة لاعترافها بجمهورية الوهم للعودة إلى الخلف، دون أن تنال إلا مراكمة الغباء على الغباء والخسارة على الخسارة، والحال أن حل عقدتها بأيديها، وهو حل سهل وبسيط ومتاح؛ يتمثل في الكف عن التعنت والتطاول، وعن حشر أنفها في الشؤون الداخلية للدول، ولزوم واجب احترام سيادتها ووحدتها الترابية، والانخراط بجد وصدق ونية حسنة في المسار الأممي التفاوضي لإنهاء نزاعها المفتعل حول الصحراء، بلا غالب ولا مغلوب.
