تتداخل الرهانات السياسية والاقتصادية في مسار تنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، بما يستدعي إرساء مؤسسات تضمن التمثيل الديمقراطي للسكان ومشاركتهم الفعلية في تدبير شؤونهم، إلى جانب تعزيز الدينامية الاقتصادية وتطوير القطاعات الإنتاجية واستقطاب الاستثمارات.
وفي هذا السياق، تؤكد صفاء عدوي، المحللة السياسية المتخصصة في الشأن الانتخابي والمؤسساتي بالمغرب، أهمية تأهيل الأحزاب السياسية وتجديد النخب المحلية وترسيخ التعددية والمساءلة، فيما يشدد يوسف الكراوي الفيلالي، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، على ضرورة تثمين المؤهلات الاقتصادية للأقاليم الجنوبية وتفعيل اللامركزية واللاتمركز الإداري. وتبرز هاتان المقاربتان أهمية التكامل بين البناء الديمقراطي والتنمية الاقتصادية في الاستجابة لتطلعات الساكنة وتعزيز أسس التنمية المستدامة.

صفاء عدوي لـ”رسالة 24″ : تنزيل الحكم الذاتي يقتضي تمثيل ديمقراطي حقيقي لسكان الأقاليم الجنوبية
أكدت صفاء عدوي، المحللة السياسية، أن تنزيل مقترح الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية يقتضي ضمان تمثيل ديمقراطي حقيقي للسكان، وتمكينهم من اختيار ممثليهم بحرية والمشاركة الفعلية في تدبير شؤونهم واتخاذ القرارات المرتبطة بمستقبلهم، مشددة على أن نجاح هذا المشروع يرتبط بقدرته على إرساء مؤسسات منتخبة تتمتع باختصاصات واضحة وتستجيب لتطلعات السكان.
وأوضحت عدوي أن الحكم الذاتي يقوم على مبدأين متكاملين؛ يتمثل أولهما في تمكين السكان من انتخاب هيئاتهم التشريعية والتنفيذية، بما يعزز الشرعية الديمقراطية ويوسع المشاركة في اتخاذ القرار، فيما يتمثل الثاني في الحفاظ على السيادة الوطنية، من خلال احتفاظ الدولة المركزية بالاختصاصات السيادية، ولا سيما الدفاع والأمن والشؤون الخارجية والتمثيل الدولي.
التعددية والمساءلة مدخلان لضمان التمثيل الديمقراطي
وشددت المحللة السياسية على أن التمثيل الديمقراطي لا يتحقق بمجرد إحداث المؤسسات أو تنظيم الانتخابات، بل يتطلب ضمان التعددية السياسية وتكافؤ الفرص، وتعزيز المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب توسيع حضور النساء والشباب في الهيئات التمثيلية ومواقع صنع القرار. وأضافت أن إشراك السكان ومكونات المجتمع المدني في تحديد الأولويات وصياغة السياسات المحلية يشكل عنصرا أساسيا لترسيخ الثقة في المؤسسات وضمان استجابة القرارات للاحتياجات الفعلية للمنطقة، معتبرة أن الحكم الذاتي يمثل، إلى جانب كونه مقترحا لتسوية النزاع، فرصة لبناء نموذج متقدم في تدبير الشأن المحلي في إطار الوحدة الوطنية. وأبرزت عدوي أن تنزيل هذا النموذج يقتضي اعتماد مقاربة تدريجية وتوافقية تراعي الخصوصيات الاجتماعية والثقافية للمنطقة، وتضمن الشرعية الديمقراطية والمشاركة السياسية الفعلية، بما يجعل إرادة السكان أساسا للاستقرار والتنمية المستدامة.
البرنامج الحكومي يطرح تساؤلات بشأن الاستعداد لتنزيل الحكم الذاتي
و اعتبرت عدوي في ما يتعلق بمدى استعداد الأحزاب السياسية المغربية للتكيف مع مرحلة جديدة من التدبير الترابي في إطار الحكم الذاتي، يستدعي التمييز بين أحزاب الأغلبية الحكومية المعنية بتدبير هذه المرحلة، وأحزاب المعارضة التي تضطلع بأدوار الرقابة والمساءلة.
وأشارت إلى أن تأكيد البرنامج الحكومي مواصلة دعم مبادرة الحكم الذاتي لا يحسم، في حد ذاته، مسألة الاستعداد لتنزيلها على المستوى المؤسساتي، لافتة إلى أن غياب تصور تفصيلي بشأن متطلبات هذا التنزيل يثير تساؤلات حول قدرة أحزاب الأغلبية على الانتقال من الدعم السياسي إلى بلورة رؤية عملية لتدبير المرحلة المقبلة. وفي المقابل، سجلت أن إثارة أحزاب المعارضة، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية، أوجه القصور في البرنامج الحكومي تفتح النقاش بشأن مدى قدرة مختلف التنظيمات السياسية على استيعاب التحولات التي قد يفرضها تنزيل الحكم الذاتي. وأكدت أن إثارة هذه الإشكالات لا تعني بالضرورة امتلاك المعارضة تصورا متكاملا بشأنها، إذ تظل المسؤولية مشتركة بين مختلف الأحزاب في تقديم مقترحات واضحة وقابلة للتنفيذ.
الأحزاب مطالبة بتجديد النخب وتعزيز حضورها بالأقاليم الجنوبية
وأوضحت عدوي أن الانتقال إلى مرحلة جديدة من التدبير الترابي من شأنه أن يفرض تحولات جوهرية على أدوار الأحزاب السياسية، التي لن يقتصر دورها على التنافس الانتخابي والتعبير عن المواقف، بل سيمتد إلى تجديد النخب المحلية وتأهيلها لتحمل المسؤولية، وتعزيز حضور مختلف الأحزاب بالأقاليم الجنوبية بما يضمن تعددية سياسية حقيقية.
وأضافت المتحدثة أن الدستور المغربي لا يجيز تأسيس أحزاب سياسية جهوية، وهو ما يجعل حضور الأحزاب الوطنية وتأطيرها السياسي للسكان في مختلف جهات المملكة مسؤولية أساسية، تستدعي مراعاة الخصوصيات المحلية وتطوير آليات المشاركة السياسية والتمثيل الديمقراطي بما يستجيب لتطلعات السكان، .مؤكدة على أهمية تعزيز الديمقراطية التشاركية وإشراك المجتمع المدني في تحديد الأولويات وصياغة السياسات العمومية المحلية، إلى جانب توسيع حضور النساء والشباب في مواقع القرار وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن الاستجابة الفعلية لانتظارات المواطنين. نجاح الحكم الذاتي رهين بتحويل التوافق السياسي إلى ممارسة ديمقراطية وأفادت المحللة السياسية إلى أن الأحزاب تتحمل مسؤولية أساسية في إنجاح مشروع الحكم الذاتي، من خلال الاضطلاع بعمل سياسي وتأطيري يشمل إعداد النخب وتكوينها، وتوعية السكان بمضامين المقترح، وفتح نقاش عمومي جاد حول آليات تنزيله وآفاقه، ناهيك عن تعزيز الثقة في المؤسسات وتشجيع المواطنين على المشاركة في إنجاح هذه المرحلة. واعتبرت أن نجاح المشروع لا يتوقف على التوافق السياسي بشأنه فحسب، بل يرتبط أيضا بمدى قدرة الأحزاب على تحويل هذا التوافق إلى ممارسة ديمقراطية فعلية تستجيب لتطلعات السكان، وتؤسس لتدبير ترابي ناجع وتنمية مستدامة.

يوسف الكراوي الفيلالي لـ”رسالة25″ : تسريع تنزيل الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية يمر عبر ديناميةاقتصادية حقيقية
يستدعي تنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، إلى جانب توفير الشروط السياسية والمؤسساتية اللازمة، إرساء دينامية اقتصادية قادرة على تثمين المؤهلات المحلية وخلق فرص الشغل وتعزيز جاذبية المنطقة للاستثمارات الوطنية والأجنبية. وفي هذا السياق، يبرز دور النموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية في توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية وتوسيع القاعدة الاقتصادية، بما يتيح تحقيق قيمة مضافة محلية والاستجابة لتطلعات الساكنة. وفي هذا الإطار، أكد يوسف الكراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، أن الاحتفاء بعيد الوحدة يشكل مناسبة لتعزيز الجهود الرامية إلى تسريع تنزيل المقتضيات المرتبطة بإقامة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، مشددا على أن تحقيق هذا الهدف يقتضي مواكبة المسار السياسي بدينامية اقتصادية حقيقية تستثمر الإمكانات التي تزخر بها المنطقة وتؤسس لتنمية مستدامة.
وأوضح الكراوي الفيلالي أن المرحلة المقبلة تستدعي تطوير النموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية، من خلال اعتماد مقاربة تركز بدرجة أكبر على القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، بما يسمح بتعزيز النشاط الاقتصادي المحلي وتوفير فرص عمل جديدة، بالإضافة إلى ضمان استفادة المنطقة من القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تولدها الاستثمارات والمشاريع المنجزة بها.
واعتبر المتحدث أن خلق قيمة مضافة محلية يظل من بين الرهانات الأساسية لتحقيق تنمية اقتصادية متوازنة، إذ لا يتعلق الأمر فقط باستقطاب الاستثمارات أو إنجاز مشاريع جديدة، بل أيضا بقدرة هذه المشاريع على تحريك الاقتصاد المحلي، وتوفير فرص الشغل، وتطوير الأنشطة الإنتاجية، بما يسهم في تقوية النسيج الاقتصادي بالأقاليم الجنوبية.
وفي هذا الصدد، شدد رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير على أهمية تفعيل اللامركزية واللاتمركز الإداري بصورة أكثر نجاعة، بالنظر إلى دورهما في تحسين تدبير الشأن الترابي وتعزيز قدرة المؤسسات على الاستجابة للحاجيات التنموية للمنطقة، مبرزا أن نقل الاختصاصات وتطوير آليات التدبير على المستوى الترابي من شأنهما الإسهام في تسريع اتخاذ القرارات وتوفير الظروف الملائمة لتنفيذ المشاريع التنموية، بما ينسجم مع خصوصيات الأقاليم الجنوبية وأولوياتها.
ويرتبط هذا التوجه، بحسب المتحدث، بالحاجة إلى بلورة مشروع تنموي ترابي يستند إلى المؤهلات الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، ويعزز دور المؤسسات المحلية والجهوية في تحديد الأولويات ومواكبة المشاريع. فنجاعة السياسات التنموية لا تتوقف على حجم الموارد المرصودة فحسب، بل ترتبط أيضا بفعالية التدبير الإداري، وسرعة تنفيذ البرامج، وقدرة مختلف المتدخلين على التنسيق وتحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة.
ومن جهة أخرى، دعا الكراوي الفيلالي إلى استثمار المؤهلات التي تتوفر عليها الأقاليم الجنوبية في مجال الطاقات المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية والريحية، معتبرا أن تطوير هذه القطاعات يتيح فرصا لتعزيز القاعدة الإنتاجية وتنويع الأنشطة الاقتصادية. ويمكن أن يسهم تطوير مشاريع الطاقة النظيفة في فتح المجال أمام أنشطة اقتصادية جديدة وتعزيز جاذبية المنطقة للاستثمارات.و أكد المتحدث على ضرورة إعطاء دفعة أقوى للقطاع الفلاحي وتطويره بما يتلاءم مع خصوصيات المنطقة وإمكاناتها، إلى جانب النهوض بالصناعة الإنتاجية باعتبارها رافعة أساسية لتنويع الاقتصاد المحلي. ومن شأن تعزيز هذه القطاعات توسيع فرص التشغيل و تحفيز المبادرة الاستثمارية، عبر بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا وقدرة على الاستمرار.
وفي السياق ذاته، شدد رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير على أهمية تشجيع المستثمرين الأجانب على الاستقرار بالأقاليم الجنوبية، من خلال توفير الظروف الملائمة لاستقطاب الاستثمارات وتيسير إقامة المشاريع الاقتصادية. ويرتبط ذلك بتطوير البنيات اللازمة لاحتضان الأنشطة الإنتاجية، وتعزيز جاذبية المنطقة، وتوفير إطار إداري ومؤسساتي أكثر فعالية لمواكبة المستثمرين.
وشدد على أهمية إحداث مناطق صناعية قادرة على استقطاب المشاريع الإنتاجية وتوفير فضاءات ملائمة لتطوير الأنشطة الصناعية، بما يسهم في خلق فرص الشغل وتعزيز القيمة المضافة المحلية. ومن شأن تطوير هذه المناطق دعم بناء نسيج صناعي بالأقاليم الجنوبية، وتشجيع توطين الاستثمارات التي لا تقتصر آثارها على إنجاز المشاريع، بل تمتد إلى تحريك الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
ويبرز هذا التصور حسب الكراوي الحاجة إلى الربط بين تنزيل مشروع الحكم الذاتي و تعزيز شروط التنمية الاقتصادية والمؤسساتية بالأقاليم الجنوبية، من خلال تطوير القطاعات الإنتاجية، وتحسين الحكامة الترابية، واستثمار المؤهلات الطبيعية والاقتصادية، واستقطاب الاستثمارات. وهي مداخل يرى الكراوي الفيلالي أنها أساسية لتسريع وتيرة التنمية بالمنطقة وتعزيز قدرتها على خلق الثروة وفرص الشغل، بما يجعل الدينامية الاقتصادية رافعة لمواكبة.

