آخر أخبارحواراتمجتمعمستجدات

مطرح النفايات بالمحمدية…أيوب كرير يحذر من مخاطر الانبعاثات

تتصاعد شكاوى سكان المحمدية، خلال الآونة الأخيرة، من الروائح الكريهة المنبعثة من مطرح النفايات مطالبين بتدخل عاجل لوضع حد لمعاناتهم، في ظل المخاوف المتزايدة من تأثير هذه الانبعاثات على صحتهم، خصوصا الأطفال ومرضى الجهاز التنفسي. وفي هذا الحوار، يوضح أيوب كرير، رئيس جمعية أوكسجين للبيئة والصحة، لـ”رسالة24″ أسباب هذه الروائح ومخاطرها والحلول الممكنة لمعالجتها.

ما التفسير العلمي للروائح الكريهة المنبعثة من مطرح النفايات بالمحمدية؟

ترتبط هذه الروائح أساسا بعمليات التحلل البيولوجي للمواد العضوية الموجودة في النفايات المنزلية مثل بقايا الطعام والمواد النباتية وغيرها من المكونات القابلة للتحلل. وتحدث هذه العملية بفعل نشاط الكائنات المجهرية، خصوصا البكتيريا وتتأثر بعوامل عدة، من بينها الرطوبة ودرجة الحرارة ومدى توفر الأوكسجين.

وعندما تتراكم النفايات في بيئة تفتقر إلى الأوكسجين، تبدأ عملية التحلل اللاهوائي، التي تنتج خليطا من الغازات والمركبات الكيميائية المسؤولة عن جزء كبير من الروائح الكريهة. وتشتد هذه الظاهرة مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة وضعف التغطية اليومية للنفايات، وعدم التحكم في الغازات والعصارة الناتجة عنها.

وتؤثر العوامل المناخية أيضا في انتقال الروائح نحو الأحياء السكنية خصوصا اتجاه الرياح وسرعتها وحالة الاستقرار الجوي. لذلك، فإن استمرار هذه الظاهرة يستدعي تحديد مصادر الانبعاثات ومراقبتها وفق مقاربة علمية، مع تقييم ظروف تشغيل المطرح وتدبيره.

ما الغازات والمواد الناتجة عن تحلل النفايات التي يمكن أن تكون وراء هذه الروائح؟

 تنتج مطارح النفايات خليطا من الغازات والمركبات الكيميائية، تختلف طبيعتها وتركيزاتها بحسب مكونات النفايات وظروف تحللها. ومن أبرزها الأمونيا “NH3” التي تتميز برائحة نفاذة ومهيجة وتنشأ عن تحلل المواد العضوية المحتوية على النيتروجين.

وتوجد أيضا المركبات العضوية المتطايرة “VOCs” التي يساهم بعضها في تكوين الروائح، وقد يرتبط بعضها الآخر بمخاطر صحية تختلف حسب طبيعة المركب ومستوى التعرض له. ومن بين الغازات الناتجة كذلك كبريتيد الهيدروجين (H2S)، المعروف برائحة البيض الفاسد، والذي يمكن أن يسبب تهيج العينين والجهاز التنفسي عند التعرض لتركيزات مؤثرة، إضافة إلى المركبات الكبريتية المتطايرة ذات الروائح القوية.

أما الميثان وثاني أكسيد الكربون، فهما من الغازات الناتجة عن التحلل لكنهما لا يشكلان المصدر المباشر للروائح الكريهة. ويتميز الميثان بقابليته للاشتعال ومساهمته في الاحتباس الحراري، بينما يساهم ثاني أكسيد الكربون في تغير المناخ.

ومن الضروري التأكيد أن قوة الرائحة لا تعكس بالضرورة درجة خطورة الغاز أو تركيزه فلا يمكن تحديد طبيعة الملوثات أو تقييم مخاطرها اعتمادا على حاسة الشم وحدها. ويتطلب ذلك قياسات علمية لجودة الهواء تستهدف الملوثات ذات الصلة.

هل يشكل استمرار انبعاث الروائح وتكرار شكاوى السكان مؤشرا على وجود اختلالات في تدبير المطرح، خصوصا في ما يتعلق بالطمر ومعالجة العصارة والغازات؟

إن استمرار الروائح وتكرار شكاوى السكان يشكلان مؤشرا بيئيا يستدعي التحقيق والتقييم التقني، ولا ينبغي التعامل معهما باعتبارهما ظاهرة عادية يمكن للساكنة التعايش معها. ومن المؤسف أن نداءات المواطنين لا تحظى دائما بالتجاوب المطلوب من الجهات المسؤولة.

وقد يرتبط انتشار الروائح بعدد من العوامل، من بينها ضعف جمع الغازات الحيوية ومعالجتها، وعدم تغطية النفايات بالوتيرة والكيفية المناسبتين، وسوء تدبير العصارة وتراكم النفايات العضوية دون معالجة مسبقة، إلى جانب وجود مساحات واسعة مكشوفة وغياب منظومة فعالة لرصد الروائح والتفاعل مع شكاوى السكان.

وتكتسي العصارة، المعروفة بـ”الليكسيڤيا”، أهمية خاصة لأنها سائل ينتج عن تسرب المياه عبر النفايات وتفاعلها مع مكوناتها، ويحتوي على مواد عضوية وأملاح معدنية وملوثات متعددة. وإذا لم يتم جمعها وتخزينها ومعالجتها وفق المعايير التقنية، فقد تتسبب في تلوث التربة والمياه السطحية والجوفية، وتؤثر في الإنسان والحيوان والنبات.

لذلك، ينبغي ألا ينحصر النقاش في أسباب الروائح، بل يجب أن يمتد إلى مدى توفر المطرح على منظومة فعالة لجمع الغازات ومعالجة العصارة ومراقبة الانبعاثات، مع التحقق دورياً من أدائه الصحي والبيئي. فالمطرح الحديث يفترض أن يكون منشأة قادرة على الحد من الأضرار واستغلال الغازات المنتجة في توليد الطاقة متى توفرت الشروط التقنية والاقتصادية، لا أن يتحول إلى مصدر دائم للإزعاج والمخاطر.

ما المخاطر الصحية والبيئية المحتملة لهذه الانبعاثات على السكان المجاورين، خصوصا الأطفال والأشخاص الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي؟

قد يؤدي التعرض المتكرر للروائح القوية والمركبات المسببة لها إلى الشعور بالغثيان والصداع والانزعاج المستمر، إضافة إلى تهيج العينين والأنف والحلق، خصوصا عندما تبلغ بعض الغازات المهيجة تركيزات مؤثرة.

وتحتاج الفئات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها الأطفال وكبار السن والأشخاص المصابون بالربو أو بأمراض الجهاز التنفسي، إلى عناية خاصة لأن بعض الملوثات الهوائية قد تؤدي إلى تفاقم الأعراض التنفسية لديهم.

ولا تقتصر التأثيرات على الأعراض الجسدية، بل قد تمتد إلى جودة النوم والراحة النفسية، خصوصا عندما تتكرر الروائح يوميا وتتسلل إلى المنازل بما يحرم السكان من الاستفادة الطبيعية من محيطهم السكني والفضاءات الخارجية.

أما بيئيا، فقد تساهم الانبعاثات الناتجة عن سوء تدبير المطارح في تلوث الهواء وزيادة انبعاثات الغازات الدفيئة إلى جانب احتمال تلوث التربة والموارد المائية السطحية والجوفية نتيجة تسرب العصارة.

ويظل تقدير مستوى الخطورة مرتبطا بطبيعة المواد المنبعثة وتركيزها ومدة التعرض لها. لذلك، ينبغي أن يستند تقييم الوضع بالمحمدية إلى قياسات ميدانية لجودة الهواء في الأحياء القريبة، مع إيلاء اهتمام خاص للمدارس والمؤسسات الصحية.

وفي هذا الإطار، نعمل من خلال جمعية أوكسجين للبيئة والصحة، بشراكة مع منظمة “غرينبيس” على رصد تلوث الهواء وإنتاج تقارير علمية يمكن الاستناد إليها في الترافع البيئي، بما يتيح توثيق المشكلات وتحليلها وفق معطيات علمية.

ما المعايير البيئية والتقنية التي ينبغي احترامها في تدبير المطرح؟

المطارح الحديثة ليست مجرد مساحات لتجميع النفايات، بل منشآت بيئية تتطلب تجهيزات هندسية وأنظمة دقيقة للتشغيل والمراقبة. ومن الشروط الأساسية توفير أنظمة عزل وحماية تمنع تسرب الملوثات إلى التربة والمياه الجوفية مع اعتماد منظومة فعالة لجمع العصارة وتخزينها ومعالجتها، ومراقبة جودة المياه المحيطة بالمطرح.

ويتطلب التدبير السليم أيضا جمع الغازات الناتجة عن التحلل ومعالجتها، مع إمكانية تثمين الغاز الحيوي وإنتاج الطاقة منه متى سمحت الشروط التقنية والاقتصادية بذلك. ومن الضروري تقليص المساحات المكشوفة من النفايات، واعتماد التغطية المنتظمة للحد من الروائح وانتشار الحشرات والمخلفات.

وتشمل المعايير المطلوبة التتبع الدوري لجودة الهواء والمياه السطحية والجوفية القريبة ورصد الروائح والغازات وفق برنامج منتظم. ويجب توفير آليات لاستقبال شكاوى السكان والجمعيات البيئية وتوثيقها والاستجابة لها، مع نشر نتائج المراقبة وتعزيز الشفافية في تدبير المنشأة.

وعلى المستوى القانوني، يتوفر المغرب على إطار تشريعي ينظم هذا المجال، من أبرز مكوناته القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها ونصوصه التطبيقية، والقانون رقم 13.03 المتعلق بمكافحة تلوث الهواء. غير أن الإشكال يرتبط بمدى تفعيل هذه المقتضيات واحترام دفاتر التحملات والدراسات البيئية الخاصة بكل منشأة.

ومن الضروري أيضا إخضاع الشركات المفوض لها بتدبير المطارح لمراقبة تقنية وبيئية صارمة، بإشراف جهات مؤهلة، وضمان تنفيذ التزاماتها وفق دفاتر التحملات، بالنظر إلى حجم الموارد المالية المرصودة لهذا القطاع وأهمية الخدمات التي يقدمها.

ما الحلول المستعجلة التي يمكن اعتمادها لإنهاء معاناة سكان المحمدية؟

يتطلب الوضع مقاربة تجمع بين التدخل التقني والمراقبة البيئية والتواصل المؤسساتي، بعيدا عن الحلول الظرفية التي تعالج آثار المشكلة دون معالجة مصادرها.

وتتمثل الخطوة الأولى في إحداث لجنة تقنية متخصصة تضم مختلف المؤسسات المعنية مع إشراك فعلي للمجتمع المدني، خصوصا الجمعيات البيئية، للقيام بمعاينة ميدانية للمطرح وتحديد مصادر الروائح. وينبغي أن تشمل هذه المعاينة مراقبة ظروف استقبال النفايات وطمرها، والتحقق من سلامة التجهيزات المخصصة لجمع الغازات ومعالجة العصارة.

وعلى المستوى العملي، يتعين اتخاذ تدابير فورية لتقليص المساحات المكشوفة وتحسين تغطية النفايات ومعالجة مصادر الانبعاثات مع المنع التام للحرق العشوائي للنفايات، لما يترتب عنه من مخاطر صحية وبيئية.

ومن الضروري أيضا إطلاق برنامج لرصد جودة الهواء داخل المطرح وفي الأحياء المجاورة يتضمن قياس تركيز كبريتيد الهيدروجين والأمونيا وبعض المركبات العضوية المتطايرة، إلى جانب تقييم الروائح وفق منهجية علمية، وربط النتائج بالمعطيات المناخية، خصوصا اتجاه الرياح وسرعتها.

وعلى المدى المتوسط، ينبغي إنجاز افتحاص بيئي وتقني مستقل للمطرح، وتحديد آجال واضحة لتنفيذ التوصيات وتطوير تجهيزات المعالجة وأساليب الاشتغال، مع تقييم مدى ملاءمة المنشأة لمحيطها العمراني والبيئي.

ولا بد أن تستند المعالجة إلى دراسة علمية وتقنية شاملة تضمن حل المشكلة من جذورها دون نقلها إلى مناطق أخرى. فلا يمكن مطالبة السكان بالتعايش مع الروائح الكريهة، لأن الحق في بيئة سليمة وصحة جيدة من الحقوق الأساسية للمواطنين. والمطلوب هو معالجة مستدامة لمصادر الانبعاثات، ومراقبة مستمرة لنتائج التدخلات.

هل يشكل الفرز من المصدر وتثمين النفايات وإعادة تدويرها بديلا حقيقيا عن الطمر التقليدي؟

 بكل تأكيد، فالفرز من المصدر وتثمين النفايات وإعادة تدويرها تشكل ركائز أساسية للانتقال من نموذج تقليدي قائم على جمع النفايات وطمرها إلى نموذج أكثر استدامة يعتمد على الاقتصاد الدائري.

وتكتسي النفايات العضوية أهمية خاصة، باعتبارها مصدرا رئيسيا للغازات والروائح داخل المطارح. ويمكن معالجتها من خلال التسميد العضوي أو الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي، شريطة توفير شروط الفرز والجودة والسلامة والجدوى الاقتصادية.

أما المواد القابلة لإعادة التدوير، مثل الورق والكرتون والمعادن والزجاج وبعض أنواع البلاستيك، فيمكن توجيهها إلى سلاسل تثمين وتدوير متخصصة بما يساهم في تقليص الضغط على المطارح وخلق فرص الشغل وتحقيق قيمة اقتصادية من النفايات.

ويتطلب نجاح هذا التحول الاستثمار في البنيات التحتية والتجهيزات الخاصة بالفرز والمعالجة إلى جانب توعية المواطنين وإشراكهم في العملية. ويظل انخراط الجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني ضروريا  فضلا عن الإدماج الاجتماعي والمهني للعاملين في قطاع جمع النفايات غير المهيكل.

إن التدبير المستدام للنفايات لا يقتصر على تحسين طرق التخلص منها، بل يتطلب إعادة التفكير في دورة إنتاجها واستهلاكها وجمعها وتثمينها، بما يجعل النفايات موردا اقتصاديا بدل أن تظل عبئا بيئيا وصحيا.

ما الرسالة التي تودون توجيهها بشأن الوضع البيئي الذي تعيشه ساكنة المحمدية؟

إن ساكنة المحمدية، شأنها شأن سكان القنيطرة ومدن مغربية أخرى، تواجه مشكلة الروائح الكريهة والانبعاثات المرتبطة بتدبير النفايات وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤال نجاعة الانتقال من مجرد التخلص من النفايات إلى تدبيرها وفق مقاربة علمية ومستدامة.

ليس من المقبول أن تتحول منشآت يفترض أن تكون جزءا من الحل البيئي إلى مصدر دائم للإزعاج والقلق والمخاطر الصحية والبيئية والاقتصادية. لذلك، نحن بحاجة إلى الانتقال من تدبير يقوم على معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى تدبير استباقي يرتكز على الوقاية والمراقبة والشفافية والمساءلة.

فحماية البيئة ليست ترفا بل مسؤولية مشتركة وحق أساسي من حقوق المواطنين. ولا ينبغي قياس نجاح منظومة تدبير النفايات بعدد الأطنان التي تستقبلها المطارح أو تعالجها، بل بمدى قدرتها على حماية صحة الإنسان وبيئته وموارده الطبيعية وضمان جودة حياته.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock