آخر أخباررأيمستجدات

جُحا وحديثُ خرافة

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

تزامنت الخرجة الإعلامية الأخيرة لرئيس الجزائر مع اختتام آخر جلسة مغلقة نصف سنوية لمجلس الأمن على إيقاع التقدم الحاصل في مناقشة تفاصيل مقترح الحكم الذاتي في أفق تنزيله، ومع اختتام الزيارات المتتابعة للمسؤولين الديبلوماسيين والعسكريين الأمريكيين إلى دولة العصابة في ظل تعتيم لأبواقها الإعلامية عن مضامينها التي يعرفها جميع المتابعين من أهل الأرض، وهي الدفع بالقوة الهاربة إلى الانضباط للمقررات الأممية والشرعية الدولية، ووضعها على السكة الصحيحة في اتجاه الحل السياسي الدائم والشامل والعادل لنزاعها مع المغرب حول الصحراءولأن العصابة أضاعت وقتها وأهدرت الفرص تلو الفرص وبددت طاقتها، وأراقت بما يكفي ماء وجهها في قضية خاسرة انتهت بها إلى الباب المسدود، والفشل الذريع، والبؤس الأخلاقي والديبلوماسي، استيقظ تبونها على وقع هذه الخواتم والنهايات البئيسة لنصف قرن من العداء السافر والساقط للمغرب أرضا ودولة وشعبا، ليستدرك ما فات، ويلقي على عامة شعبه كلمة الخضوع الاضطراري والقهري لقرار مجلس الأمن الأخير القاضي باعتماد الحكم الذاتي مرجعا وأساسا لحل النزاع المفتعل، وهو الشعب الذي صمّت الحثالة الديبلوماسية والعسكرية الجزائرية آذانه بالدق على طبول الحرب، وسممت عقوله وأبدانه بشعارات الحل العسكري الانفصالي وعدم التخلي عن جمهورية الوهم في تيندوف، وأهلكت اقتصاده وثروته في استثمارات خاسرة في ميليشيات مسلحة وأذرع إرهابية ومؤامرات ودسائس وخسائس لم يسلم منها لا جوارها الغربي ولا الشرقي ولا الجنوبي.

قبل أشهر غرد التبون ببيته الشعري الخالد الذي نشرته وسائل إعلامه وتوسعت فيه الحثالة الديبلوماسية ضاحكة مستبشرة ساخرة هازئة: “حكم ذاتي ما حكم ذاتي.. وخرافات تاع جحا وما نعرف واش، ليصبح هذا الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية واقعا دوليا لا مفر منه وسط خرافات الاستفتاء وجمهورية الوهم. ستة أشهر من التطورات المتسارعة والمستجدات التي أعقبت قرار مجلس الأمن 2797 بتعزيز سمو مقترح الحكم الذاتي الواقعي ودعمه بقوة، على ما سواه من خرافات جحا الجزائري، جعلت بيت تبون ينهار على لسانه ويصير: ” استفتاء ما استفتاءخرافات جحا من البدء إلى الانتهاءوقرارات مجلس الأمن إلى التنفيذ والإرساء، بدون عراقيل كأداءبلا مناوشات ولا اعتداءولا تأخر ولا إبطاء

جحا إذا هو من سوق، طيلة نصف قرن، الوهم لشعبه وللجماهير المحتجزة بمخيمات الذل والعار عن جمهورية سادسة في المنطقة المغاربية، لينتهي به المطاف إلى الاصطفاف مرغما مع ما سماه اضطرارا وبلا اختيار منه ولا قناعة ولا كرامة ولا ماء وجه محفوظ بـالقرار الأممي الذي لا اعتراض عليه ولا تشويش وهو في طريقه إلى التنفيذنعم هو في طريقه إلى التنفيذ والتطبيق والتنزيل، رغم أنف العصابة، التي كشفت أمام العالم أنها لا هي قوة ضاربة ولا صاحبة مبدأ وموقف ووزن وهيبة وقيمة وعقل وحكمة، إذ كانت تكفيها صيحة أممية واحدة وعصا تهش بها الولايات المتحدة عليها، لأن تتنكر لكل ما تعلنه وتسره من رفض ومواقف مضادة أولا تجاه الحل السياسي السلمي للنزاع المفتعل حول الصحراء، وثانيا تجاه مقترح الحكم الذاتي المغربي الذي حظي بتأييد المجتمع الدولي، وتبني المنتظم الأممي، واعتماد مجلس الأمن، ورعاية الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الدولية الوازنة.

ما كان أغنى تبون الجزائر عن هذا التخبط بين المواقف والمبادئ والمصالح والمناورات والمغالطات، لو كان لديه ذرة حياء وصدق مع النفس، وبعد نظر وكف لأذى اللسان الذي أودى ولا يزال يودي بالديبلوماسية الضاربة في المهالك والمزالق. فهل كان لابد من كل هذا التكالب على المقترح المغربي الوسطي والمعتدل والمتوازن في التماس مخارج للجميع من ورطة ونزاع مفتعل موروث من أيام الحرب الباردة وصراع المعسكرين الشرقي والغربي، انتهت كل سياقات افتعاله واختلاقه في سبعينات القرن الماضي، وتغيرت بشكل كبير معظم الرهانات والتوازنات الدولية التي أملته، ولا حل له اليوم وبعد تجريب كل المؤامرات والاعتداءات والحروب، إلا في إطار احترام الوحدة الترابية للمغرب، والاستجابة لتطلعات شعوب المنطقة التواقة إلى الوحدة والحرية والتعاون والتضامن والحق في التنمية والاستقرار والأمن والسلام، وضمن حل سياسي سلمي تفاوضي لا غالب فيه ولا مغلوب، ولا منتصر ولا منهزم، كان سيحفظ ماء الوجه، وسينتصر لمستقبل الأجيال الجديدة التي لا ناقة لها ولا جمل في هذا الكم الهائل من العداء والاحقاد التي تضرب في الصميم تضحيات الآباء وتخون دماء الشهداء التي لم تسل زكية طاهرة من أجل التقسيم والتفتيت وإذكاء الحروب والفتن، وإنما من أجل التحرير والبناء والوحدة والنماء.

كان بإمكان تبون أن يغتنم وبمحض الاختيار والإرادة طرح مبادرة الحكم الذاتي النبيلة في مقاصدها وغاياتها الجليلة في أسلوبها وطريقة تدبيرها التشاركي، للتخلص من ملف ثقيل وخبيث وكريه موروث من سابقيه، أنهك الجزائر وعرضها لخسارات في الأموال والمصداقية والصداقات والأخلاق، لكنه آثر أن يصف هذه المبادرة والبادرة الحسنة بأبشع الأوصاف وأقبح النعوت، وأن يتهكم عليها بعنتريات وتطاولات من قبيل أنهالا حدثإلا ما كان من أنها تسلية وحديث خرافة وقصص جحا، ليفاجئ شعبه بحكمه الجديد عليها أنها هي الواقع والحقيقة القائمان في المسار الأممي نحو الإرساء والتنزيل، الذي يتعين الانخراط فيه لا مناوشته والالتفاف عليه، كما عبر الرئيس تبون في ختمه لقصة جحا وحديث خرافة. ليعلم العالم مَن جُحا وما حديث خرافة، حينما جد الجد وكان سيف الحق أصدق إنباء من شعارات الباطل

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock