آخر أخباررأيمستجداتموضوع الأربعاء

بحث محموم عن الاشتباك والهلاك

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –

حينما تعلق الأمر بكلمة حق في تدبير الحكومة الإسبانية لأزمة الهجرة غير النظامية انطلاقا من المغرب، وحرصها على تثمين الدور التعاوني المغربي في مواجهة هذا الملف الثقيل والمشترك المخيم على العلاقات بين البلدين، وتجنبها الانخراط في موجات الاستفزاز والابتزاز للجانب المغربي، كنا نصدح بها محترمين بذلك التزاماتنا الأخلاقية والإعلامية الموضوعية، في نقل الخبر والتعليق عليه وتحليله بما يدعم التهدئة والاستقرار والأمن والسلام والتعاون ومصالح الشعبين الجارين والدولتين الشريكتين التي تربط بينهما علاقات تاريخية وجغرافية ممتزجة وممتدة ومتشابكة، مقدرين لكل إسباني حر ونزيه ومنصف موقفه الحكيم في تفويت فرصة الاصطياد في الماء العكر، والاستثمار في الأزمات، على عدد من الخلايا السياسية والإعلامية والدينية الإسبانية التي قفزت على أحداث سبتة لتصفية حسابات قديمة وجديدة مع المغرب من جهة، ومن جهة أخرى ضد السياسة الحكومية الإسبانية في دعم التقارب بين البلدين، متجاوزة بذلك كل الحدود في الخلاف والنزاع والتدافع والمنافسة.

لقد حرص المغرب على ألا يعطي لأحداث سبتة أكثر من بعدها المرتبط بمعضلة الهجرة غير النظامية، وبضرورة تحيين عدد من الاتفاقات التعاونية والشراكات الأمنية لمواجهة لوبيات الاتجار في البشر والتحريض على الهجرة غير الشرعية، وتوفير إطار قانوني وقاعدة معطيات وبيانات ومعلومات متبادلة للتحكم في تدفق المهاجرين على الحدود، خصوصا وأن المغرب بات بحكم انفتاحه وإنسانية قوانينه، بلد عبور واستقرار لآلاف المهاجرين من ربوع إفريقيا، ويتعين على الجانب الإسباني والأوروبي عموما تقاسم أعباء تدبير هذه الظاهرة التي لا يخلو بلد في العالم من آفتها، والتي يراد من المغرب أن يلعب وحده وفي منطقته دور حارس الحدود وقامع الراغبين في العبور، والمتورط وحده في المواجهات والاشتباكات مع المرشحين للهجرة، ونقل الإعلام الغربي للصور الفظيعة والنمطية عن المواجهات والصدامات المحتملة إلى كل شاشات العالم، بقصد الإساءة إلى السلطات المغربية في صدها للمتسللين والمندفعين نحو السياجات والمعابر.

وإذا كان هذا هو حرص المغرب في تحمله لمسؤولياته الأمنية والإنسانية في مواجهة هذه الآفة والمعضلة، بدون تهويل ولا استثمار في مآسي المستضعفين، فإن الجانب الإسباني والأوروبي يبدو أبعد ما يكون عن المساهمة الوازنة والمؤثرة لدعم الجهود المغربية المعتبرة، مفضلا كل مرة وعند تفاقم أزمة الهجرة السرية أن يقذف بكل إعلامه ومنظماته الحقوقية ونخبه وهيئاته، بل والزج بشعبه في أتون معركة ظالمة ضد بلادنا، يستعيد فيها الجميع عنترياته وعضلاته المترهلة لإدانة المغرب بالتراخي، بل بالتواطؤ في عمليات تهجير آلاف الزاحفين نحو الجنة الأوروبية، مع استحضار خلفية عنصرية قروسطوية كريهة واستعمارية بغيضة تجاوزت كل حدود اللياقة واللباقة في الاختلاف والصراع والمنافسة مع دولة مستقلة وذات سيادة.

لقد أظهرت الحملات التصعيدية السياسية والإعلامية في الأوساط الإسبانية ضد الجار المغربي الجنوبي، مبلغ تخلف الوعي الإسباني، وكنا نحسبه وعيا تنويريا حداثيا وحقوقيا وديموقراطيا، فإذا هو في أبشع أشكال الوحشية في النقاش، والتوحش في السلوك، والانحطاط في الأخلاق، فلا توقير لمؤسسات دولة محترمة ولا مهنية ولا موضوعية ولا شفافية ولا صدق ولا مراعاة لأبسط قواعد نقل الخبر وتحليل المعلومة وكتابة تقرير، فمِن دس أخبار مزيفة وأرقام موضوعة، وحكايات ساخرة، وصناعة بروباغاندا على أرواح ومآسي ضحايا الهجرة السرية، إلى القفز مباشرة لدق طبول الحرب على المغرب، والتهديد بالغزو وقطع الغاز والكهرباء والهواء، والدعوة إلى قطع العلاقات وسحب الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء… كل هذا التطاول والتمادي في الغي والرعونة، والمغرب رسميا وشعبيا ملتزم بضبط النفس، ومراعاة علاقات حسن الجوار، والأمل في انتصار أصوات الحكمة والمصالح المشتركة على كل نزعات الكراهية المجانية التي تكشف عن عمق الأزمة في الوعي الأوروبي والإسباني خاصة تجاه بلدان الجنوب والمستعمرات الأوروبية السابقة التي لم يتخلص ورثة الاستعمار كلية من إرادتهم إعادة الوصاية عليها، ورفضهم في قرارة أنفسهم أن تكون يوما ما منافسة لأوروبا على الريادة والقيادة والنماء والازدهار، أو تكون ندا لها في القوة والمنعة، ويكفي الاطلاع على مضامين التقارير المتتابعة الصادرة عن جهات اقتصادية وعسكرية وأمنية إسبانية في هذه الظرفية، وعلى خلفية أحداث اقتحام سبتة، لإدراك حجم المخاوف والهلاوس الإسبانية الدفينة من الصعود التنموي المغربي، وحيث تتم الإشارة باستمرار إلى المشاريع النهضوية المغربية كتهديد لإسبانيا ومحيطها الأوروبي، فالتوسع في بناء الموانئ تهديد، ومد الطرقات تهديد، والانخراط في تحالفات مع قوى دولية وازنة تهديد، والنجاحات الديبلوماسية للمغرب تهديد، وهكذا يتم تضمين كل المشاريع التنموية والسيادية المغربية في توصيات لمحاربتها، وتحذيرات منها بسبب من مزاعم إضرارها بتوازن القوى في المنطقة، والذي يعني بحسب هذه التقارير التحذيرية، ضرورة الإبقاء على الأوضاع المختلة بين شمال أوروبي متقدم وجنوب إفريقي متخلف على ما هي عليه، ضمانا لاستمرار الهيمنة على الثروات والوصاية على الشعوب.

إن الموقف الحضاري للمغرب من الهجمة الإسبانية غير المسؤولة والمتخلفة سياسيا وإعلاميا وعسكريا، تعكس بالفعل تغيرا في موازين القوى بين الأمم، بين أمة راقية تسير إلى الأمام، ملتزمة باحترام المعاهدات والصداقات والاتفاقيات والقوانين خصوصا ما يرتبط منها بالسلام والاستقرار والأمن، وتمنعها حكمتها وأخلاقها وتربيتها على الوفاء والصدق في المعاملة، من التجاوز في حق ثوابت ورموز الدول والشعوب، أو إحياء نزعات الكراهية ونعرات العنصرية، وهي قادرة على تجاوز التوترات والأزمات بالهدوء اللازم والصبر الجميل على المكاره، وأمة أخرى تنساق وراء كل ناعق للدعوة إلى حرب أو قتال أو هجوم وغزو وإخضاع ووصاية وهيمنة وزعزعة للأمن والعلاقات الدولية، تلك هي أمة الإملاءات التي يكتب من محبرتها قطاع واسع من الإعلام الإسباني الذي لم يفاجئنا بهذه الهجمة الشرسة المتخلفة، التي كانت نائمة ومتلجلجة في الصدور، لتجد اليوم في ظل التسيب وتصاعد السعار ضد المغرب، فرصة الانفجار كبركان من صديد وقيح غطته، إلى غاية واقعة سبتة، مساحيق النفاق والخديعة.

لكل هؤلاء الإعلاميين والسياسيين والبرلمانيين والمحللين الاستعماريين الموتورين الذين استسهلوا التطاول على المغرب، وفهموا صمته وهدوءه ونضجه وحكمته في ضبط النفس وبعد النظر، على غير حقيقتها الراقية والحضارية الواثقة في الذات والمستقبل، ثم قاموا بتحريض الجماهير المغفلة على التظاهر ضده بغير موجب حق، وتجاوز التظاهر إلى تمزيق العلم المغربي الشريف والمساس برموز الأمة وسيادتها، نقول ليس المغرب الجديد الذي استكمل حلقات نهضته وقومته بفضل سياسته الحكيمة من سيسمح لتخلفكم بالإضرار بمصالحه وصورته أمام العالم، وجره إلى أتون اشتباك أو معركة مجنونة، يصور لكم غباؤكم السياسي وسقوطكم الأخلاقي في امتحان المصداقية والثبات على المواقف والمبادئ، أنها مجرد غدوة وروحة استعراضيتين، بينما هذه المعركة ستكون في حال وقوعها، آخر إسفين هلاك يدق في نعش الاستعمار وفكر الهيمنة والوصاية في المنطقة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock