لم يعد التغير المناخي في البحر الأبيض المتوسط مقتصرا على ارتفاع حرارة مياهه السطحية، إذ أظهرت دراسة علمية حديثة أن الاحترار وزيادة الملوحة يتقدمان بوتيرة متسارعة، مع وصول تأثيراتهما إلى طبقات مائية تمتد إلى آلاف الأمتار تحت سطح البحر.
ونشرت مجلة “جيوفيزيكال ريسيرش ليترز” في 16 شتنبر الجاري نتائج الدراسة التي أنجزها فريق من علماء المحيطات والتي خلصت إلى تسجيل مؤشرات على تسارع تغير درجات الحرارة والملوحة حتى أعماق تقترب من 2500 متر، مع استمرار رصد اتجاهات الاحترار في مستويات أعمق ببعض مناطق المتوسط.
واعتمد الباحثون في عملهم على سلسلة طويلة من البيانات تغطي الفترة الممتدة من 1950 إلى 2025، وجمعت بين قياسات تاريخية أنجزت بواسطة السفن، ومعطيات حديثة توفرها عوامات “أرجو”، إضافة إلى أرصاد إقليمية من البحر الأدرياتيكي. وسمحت هذه البيانات بمقارنة الوضع خلال الفترة 2000-2025 بما كان عليه بين 1950 و1999.
وأبرزت النتائج أن ارتفاع الحرارة أصبح واضحا في مختلف طبقات البحر، لكن بدرجات متفاوتة. فقد بلغت الزيادة 2.04 درجة مئوية في المياه السطحية إلى حدود 100 متر، و1.13 درجة بين 100 و300 متر، و0.62 درجة بين 300 وألف متر، بينما وصلت إلى 0.21 درجة على عمق يتراوح بين ألف وألفي متر.
وتزامن هذا الاحترار مع ارتفاع في ملوحة المياه، خصوصا في وسط البحر الأبيض المتوسط وشرقه. وسجل البحر الأيوني بدوره تغيرا لافتا، إذ ارتفعت درجة حرارة المياه الواقعة بين 100 و300 متر بنحو 1.27 درجة مئوية، بالتوازي مع زيادة في الملوحة.
ولا تسير هذه التحولات بالوتيرة نفسها في مختلف مناطق المتوسط، حيث برز الحوض الممتد من الأدرياتيكي إلى البحر الأيوني وشرق المتوسط باعتباره من المناطق الأكثر تأثرا. وظهرت مؤشرات مهمة على تسارع التغير في جنوب الأدرياتيكي، بما في ذلك على مستويات مائية عميقة.
وقالت إيلينا تيرزيتش، الباحثة في قسم البحوث البحرية والبيئية بمعهد “رودجر بوشكوفيتش” الكرواتي والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن أهمية النتائج لا تكمن فقط في ارتفاع حرارة البحر، وإنما أيضا في سرعة حدوث هذا التغير وفي قدرته على الوصول إلى الأعماق، معتبرة أن معدل الاحترار وزيادة الملوحة لم يعد مستقرا بل يتسارع بمرور الوقت.
ويرى أصحاب الدراسة أن ما يحدث في المتوسط قد يوفر مؤشرات مبكرة على التحولات التي يمكن أن تعرفها محيطات العالم، بالنظر إلى سرعة استجابة هذا البحر المغلق نسبيا للتغيرات المناخية، ما يجعله مجالا مهما لرصد تطور المخاطر المرتبطة بارتفاع حرارة البحار وتغير خصائصها الفيزيائية.

