آخر أخباررأيمستجدات

المنصوري رئيسة للحكومة: حين يلتقي النص الدستوري بالاستثناء السياسي

الدكتورة صفاء عدوي

باحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، ومحللة سياسية متخصصة في الشأن الانتخابي والمؤسساتي بالمغرب.

لم يكن تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة بالمغرب، عقب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، مجرد حدث سياسي غير مسبوق بوصول أول امرأة في تاريخ المغرب إلى هذا المنصب، بل يطرح، في تقديري، سؤالا دستوريا وسياسيا حول كيفية فهم الفصل 47 من دستور 2011 الخاص بمحددات تعيين رئيس الحكومة، وحدود الاختيار داخل الحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب.

الفصل 47: الحزب المتصدر أولا… والشخص ثانيا

ينص الفصل 47 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. غير أن هذا الفصل لا يحدد، بشكل صريح، الشخص الذي ينبغي اختياره داخل الحزب، ولا يشترط أن يكون أمينه العام أو رئيسه. وهنا، تبرز مساحة من الاختيار داخل الحزب المتصدر: فالدستور حدد الحزب الذي يأتي منه رئيس الحكومة، لكنه لم يحدد بالاسم أو الصفة التنظيمية للشخص الذي يتولى هذه المهمة.

غير أن الممارسة السياسية منذ اعتماد دستور 2011 ساهمت في إعطاء الفصل 47 دلالة عملية أكثر وضوحا. ففي انتخابات 2011 و2016 و2021، ارتبط تعيين رئيس الحكومة بقائد الحزب الذي تصدر الانتخابات، وكان الأمين العام هو المعني بهذا التعيين في البداية. لكن التجربة المغربية عرفت سنة 2017 استثناء مهما لا يمكن تجاهله.

2017… الاستثناء الذي يجب ألا يُنسى

فبعد انتخابات 2016، عُيّن السيد عبد الإله بنكيران، بصفته الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، رئيسا للحكومة وكُلّف بتشكيلها. وبعد تعذر تشكيل الأغلبية، انتهت هذه المهمة بتعيين السيد سعد الدين العثماني، وهو قيادي آخر من الحزب نفسه، رئيسا للحكومة.

وتكشف هذه الواقعة عن نقطة دستورية مهمة: الأمين العام للحزب المتصدر ليس شرطا دستوريا لتولي رئاسة الحكومة بالمغرب. فالملك انتقل، في تلك الحالة، من قائد الحزب إلى شخصية أخرى داخله، في سياق ارتبط أساسا بتعذر تشكيل الأغلبية الحكومية. ومن هنا، فإن حالة 2017 لا تبدو مجرد استثناء سياسي، وإنما تشكل أيضا واقعة كاشفة لمرونة الفصل 47 في تحديد الشخص الذي يمكن أن يتولى رئاسة الحكومة.

في سنة 2026، نجد أنفسنا أمام وضع مختلف مرة أخرى. فالسيدة فاطمة الزهراء المنصوري ليست أمينة عامة لحزب الأصالة والمعاصرة بالمعنى التقليدي، وإنما تتولى تنسيق قيادته الجماعية. ومع ذلك، فإن حزبها تصدر الانتخابات التشريعية، وأصبحت بذلك ضمن الإطار الذي يسمح به الفصل 47 من الدستور لتعيين رئيس الحكومة.

ومن الناحية الدستورية، لا يبدو أن الفصل 47 يشكل عائقا أمام هذا الاختيار، ما دام الشخص المعين ينتمي إلى الحزب الذي تصدر الانتخابات. لكن القراءة السياسية للحدث تضيف بعدا آخر.

فاطمة الزهراء المنصوري: ماذا تقول القراءة السياسية؟

إذا انتقلنا من القراءة الدستورية إلى القراءة السياسية، فإن تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري يكتسب دلالة إضافية. فالمسألة لا تتعلق فقط بكونها شخصية قيادية داخل الحزب المتصدر، وإنما أيضا بكونها امرأة تتولى لأول مرة في تاريخ المغرب رئاسة الحكومة. وقد وصفت المنصوري تعيينها بأنه لحظة تاريخية، باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب في المملكة المغربية.

وهنا يصبح من المشروع طرح سؤال سياسي أبعد من مجرد تطبيق الفصل 47: هل كان حضور المرأة في موقع القيادة عنصرا من العناصر التي اكتسبت أهمية في الاختيار السياسي؟

لا يمكن، بطبيعة الحال، الجزم بدوافع القرار الملكي الداخلية أو اختزال التعيين في عامل واحد. لكن يمكن قراءة الحدث ضمن المسار الذي عرفه المغرب خلال العقود الأخيرة في اتجاه توسيع حضور النساء في مواقع المسؤولية السياسية والمؤسساتية. ومن هذه الزاوية، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لا يمثل فقط اختيار شخصية من الحزب المتصدر، وإنما يحمل أيضا دلالة رمزية ومؤسساتية تتصل بمسار مشاركة المرأة المغربية في صناعة القرار.

بين القاعدة والاستثناء

إن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري يضعنا أمام ثلاث حقائق متداخلة: نص دستوري يمنح الملك سلطة التعيين من الحزب المتصدر، وممارسة سياسية كرست لسنوات اختيار قائد ذلك الحزب، واستثناء سنة 2017 أكد أن هذا الاختيار ليس قاعدة دستورية جامدة.

ولعل أهمية حالة 2026 تكمن في أنها تقدم تطبيقا جديدا للفصل 47 في سياق حزبي مختلف، حيث لم تعد القيادة السياسية للحزب المتصدر محصورة بالضرورة في نموذج الأمين العام التقليدي.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا فاطمة الزهراء المنصوري؟ بل ربما يكون السؤال الأعمق: هل انتقل الفصل 47 من قاعدة سياسية غير مكتوبة تتمثل في اختيار قائد الحزب، إلى ممارسة أكثر مرونة تجعل معيار الحزب المتصدر هو الثابت، بينما يظل اختيار الشخص مجالا للتقدير السياسي؟

في تقديري، تكمن أهمية التجربة المغربية منذ 2011 في هذا التفاعل بين النص والممارسة، وبين القاعدة والاستثناء. وبين هذا وذاك، يكون الاختيار قد انتهى في سنة 2026 إلى أول امرأة في تاريخ المغرب تتولى رئاسة الحكومة، ما يمنح الواقعة دلالة دستورية وسياسية ورمزية تتجاوز مجرد تعيين رئيس جديد للحكومة بالمغرب.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock